✍️فاطمه محمد
صرخت نورسين في فزع، وهي تلمح ذلك الخيال الذي خرج من وسط الظلام وأسقط عن رأسها الخوذة بحركةٍ عنيفة ثم سحب الميكروفون عن سترتها ودهسه بقدمه قبل أن يجذبها إلى خارج الغرفة، حدقت في ذلك الرجل العجوز الذي يقف أمامها يبتسم في هدوء قائلاً:
- "ما تخافيش يا بنتي أنا مش هأذيكي، أنا عاوز أعرف بس إنتي إيه اللي جابك هنا إنتي واللي معاكي وعاوزين إيه؟، أنا كنت براقبكم من شبابيك القصر من ساعة ما خرجتوا من المتاهه وشايفكم بتتكلموا مع حد في الأجهزه اللي معاكم، اقعدي كده وفهميني بالتفصيل إيه الحكايه؟!"
اطمأنت نورسين لحديثه، وقصت عليه كل شيء من البداية، أولاً المسابقة ثم ما أخبرهم به عمرو عن حقيقة الأمر وأن السبب الحقيقي وراء كل ما يحدث هو العثور على المخرج الموجود بداخل القصر، شعرت بملامح وجهه تتغير وقد ظهر عليه الغضب الشديد، ثم قال في عصبيه:
- "يعني آدم مش عاوز يتعب نفسه خالص؟! عاوز كل حاجه عالجاهز!!"
لم تفهم نورسين حرفاً مما قاله، لكنه استطرد قائلاً:
- "اسمعي يا بنتي خليكي هنا وأنا هروح أفتح الباب للناس اللي معاكي وأجيبهم وأرجعلك!"
وافقته بإيماءة من رأسها، أسرع الرجل نحو باب القصر وفتحه في بطء وهو يقف خلفه مع حرصه على أن يكون المكان مظلم تماماً، استغل دخول حسام أولاً وباغته بإسقاط خوذته ثم شد الميكروفون المعلق على سترته وسحقه بقدمه سريعاً صرخ حسام في فزع وهو يحاول استيعاب ما يجري لكنه دفعه بعيداً ليتسنى له تكرار الأمر مع طارق الذي انفعل في عصبيه وحاول ضربه لكنه همس محاولاً تهدأتهما:"ما تخافوش!"
تبعهم عمرو ففعل نفس الشيء معه، ثم تحرك أمامهم وهو يشير إليهم قائلاً في خفوت:
- " سيبوا شنطكم هنا وتعالوا ورايا!"
تبعوه في صمت رغم الخوف الذي يتملكهم حتى وصلوا إلى نورسين، تنفس عمرو الصعداء حين رآها وقال في ارتياح:
- "الحمد لله إنك بخير! خضيتيني عليكي!"
نظرت إلى الأرض وقد احمر وجهها خجلاً، ابتسم الرجل وهو يقول:
- "نورسين حكيتلي على كل حاجه، أنا إدريس عايش في القصر ده من ييجي تلاتين سنه!"
صاح حسام في انفعال:
- " عم إدريس!! دا احنا قلبنا الدنيا عليك من ساعة ما آدم وصل بس ما توقعناش تفضل في القصر لوحدك بعد موت نزار باشا! "
- "إنت شغال مع آدم؟!"
- "أيوه وعارف الحكاية كلها"
تحولت ملامح عم إدريس على نحوٍ أثار الارتباك في نفوسهم خصوصاً حسام، الذي تراجع للخلف بضع خطوات مع حركة عم إدريس باتجاهه وهو يقول في انفعال:
- "بتدوروا عليا؟؟! عشان الفلوس مش كده؟؟ سنين طويله ونزار باشا مستني آدم يفتكره ولو بمكالمة تليفون، كان بيحلم يشوفه قبل ما يموت كان بيتخيل ملامحه وهو بيكبر وبيحسبله سنين عمره سنة بسنه على أمل ييجي اليوم اللي يقابله فيه، وبعد ما مرض أكتر حاجه كان خايف منها يموت من غير ما يشوفه، كنت ببعت جوابات لوالدة آدم من وراه بترجاها تخليه ييجي يشوف جده ولو أسبوع واحد وعمرها ما ردت عليا، ودلوقتي جايين عشان الفلوس؟؟!! بس أنا كنت متأكد إن الفلوس هي اللي هتجيبهم، عشان كده قررت أنتقم منهم وأسيبهم يلفوا في المتاهة لحد ما يلاقوا الطريق بنفسهم، لكن اللي ماخطرش في بالي إنهم يبعتوا ناس تانيه؟؟!!"
عم الصمت لثواني وهم يتبادلون نظرات الحيرة حتى قطع عمرو صمتهم قائلاً:
- "بص يا عم إدريس! كل الحكاية اللي إنت حكيتها دي ما تخصناش في حاجه، إحنا إتضحك علينا وفي شابين خسروا حياتهم في المتاهة دي بسببكم، إحنا كل اللي عاوزينه نخرج من هنا وبس!"
قاطعه طارق في انفعال:
- "وبس ده إيه؟؟! أنا عاوز فلوسي إنت قولتلي آدم هيدي لكل واحد 100،000 دولار تعويض! واللي فهمته من عم إدريس إن في هنا فلوس كتير وأنا مش همشي غير لما آخد فلوسي!"
نظر إليه عم إدريس نظره أربكته كثيراً ثم بدا عليه التفكير قليلاً قبل أن يقول في حزم:
- "وأنا موافق!، طالما ده كان اتفاقكم معاه يبقى حقكم!"
لم يصدق طارق نفسه وأخذ يقفز في سعادة غامرة، ثم طلب عم إدريس منهم الانتظار ريثما يحضر لهم المبلغ متضمناً التعويض لأسر الشابين المتوفيين....
في تلك الأثناء كان آدم قد اتخذ قراره بدخول المتاهة برفقة ياسر بعد أن درس جيداً الطريق الذي سلكه عمرو أثناء سيره والذي كان يسجله ياسر بدقه وهو يتابع موقعه طوال الوقت وحتى وصل إلى القصر، كانت أقرب المداخل لذلك الطريق هو مدخل رقم (6)، دخله آدم راكضاً وبرفقته ياسر وكل ما يخشاه أن يصل متأخراً بعد أن يعثر عمرو ومن معه على النقود.....
ظل حسام يتابع إدريس بعينه حتى اختفى عن ناظريه ثم قام مسرعاً يتبعه بخفة، فهم عمرو ما ينوي فعله فقام في عصبيه وجذبه قائلاً:
- "رايح فين يا حسام؟!!"
- "وإنت مالك؟!"
- "مش هسمحلك تاخد حاجه مش من حقك!"
لم يجبه هذه المرة واكتفى بدفعه بعيداً ليكمل طريقه، لكن عمرو جذبه بقوه فباغته بلكمة في وجهه طرحته أرضاً، اشتعل الغضب في عروق عمرو وقام مسرعاً ليضربه، لكنه فوجئ بضربه قوية تهوي على رأسه أسقطته مغشياً عليه، بعد أن كسر طارق مزهريه كبيرة الحجم على رأسه ليسمح لحسام بالذهاب، تعالى صراخ نورسين وهي تتابع ما يجري في فزع فالتفت طارق نحوها وعيناه تشتعلان غضباً قائلاً:
- "اخرسي وإلا هقتلك!!"
ثم ركض خلف حسام حتى عبرا الباب الكبير الذي عبره أمام أعينهم منذ قليل.....
وصل آدم وياسر إلى باب القصر الذي دخل منه عمرو ومن معه، وكان لا يزال مفتوحاً، تقدما بخطواتٍ حذره إلى الداخل، كان المكان مظلماً ويظهر ضوء ضعيف من بعيد اتجها نحو مصدر الضوء بخطوات بطيئة وهما يضيئان المكان بكشافاتهما ويتلفتان حولهما في حذر حتى وصلا إلى المكان المضيء لتتسع أعينهما عن آخرهما.....
كان عم إدريس على علم بما سيجري بل أنه قد قرر اختبارهم بتلك الخدعة التي قصدها تماماً، وقف خلف باب إحدى الغرف يتابع حسام وطارق وهما يبحثان عنه في جنون ، ثم قرر استدراجهما إلى غرفة "المصيدة" كما كان يسميها فتحرك بعيداً عنهما في خفه دون أن يلاحظاه ثم أصدر صوتاً متعمداً بقدميه أمام باب تلك الغرفة ثم فتحه وأغلقه بقوه دون أن يدخل، وتحرك مسرعاً إلى ممر مظلم قريب منها ووقف يتابع ما يجري، اتجه حسام وطارق إلى الغرفة دون تردد وفتحا الباب ودخلا، لم تمض دقائق حتى ملأ صراخهما المكان، فقد كانت تلك الغرفة هي إحدى الغرف التي أعدها نزار باشا خصيصاً للإيقاع باللصوص..
ما أن خطا حسام بداخلها خطوه واحده حتى شعر بقدمه تضغط على جزء متحرك على الأرض، وبجواره طارق، أخذا يتلفتان حولهما وهما يستمعان لصوت شيء يتحرك لا يستطيعان تحديده، ليفاجئا بشبكه سميكة تنغلق عليهما بإحكام وتجتمع أطرافها من الأعلى بحبل مثبت جيدا في سقف الغرفة تنجح في تقييدهما تماماً....
جلست نورسين تبكي وهي تمسح الدم عن وجه عمرو وتحركه بقوة حتى يستعيد وعيه، لم تصدق عينيها عندما فتح عينه ونظر إليها قائلاً:
- " هو إيه اللي حصل؟!"
ابتسمت في ارتياح والدموع لا تزال تغرق وجهها وأخبرته بما جرى، فاعتدل جالساً وهو يصيح:
- " عم إدريس!!! أحسن يكونوا أذوه عشان ياخدوا الفلوس!!!"
جاءه صوت عم إدريس من الخلف وهو يقول مبتسماً:
- "ما تخافش على عمك إدريس، أنا عارف كويس أتصرف مع الحراميه إزاي"
ثم وضع حقيبة أمامهما وهو يقول:
- "فلوسكم أهه زي ما وعدتكم، ودلوقتي ياللا بسرعه عشان آدم وصل القصر ولازم نخرج حالاً! سمعت اللي معاه وهو بيندهله!"
سأله عمرو في تعجب:
- "ليه نخرج حالاً؟؟! مش هتديله فلوسه وتعرفه طريق المخرج؟؟! وفين حسام وطارق؟؟!"
- "يلا يا ابني مش وقت كلام دلوقتي أنا هفهمك كل حاجه بعدين"
سار عم إدريس مسرعاً يتبعانه نورسين وعمرو الذي يحمل حقيبة النقود، صعد عم إدريس إلى الدور العلوي، ثم سار بين ممرات القصر التي يحفظها كاسمه، حتى وصل إلى ممر ضيق في نهايته ثلاثة غرف، فتح باب الغرفة الوسطى ودخل يتبعه عمرو ونورسين ثم أغلق الباب جيداً، كانت غرفه صغيره بها سرير خشبي ودولاب صغير يبدو قديماً للغاية، فتح باب الدولاب ودخل، تجمدا عمرو ونورسين في مكانهما وهما يتابعانه يدخل إلى الدولاب بخطوات واثقه، فالتفت إليهما وهو يشير في عصبيه قائلاً:
- "خليكوا ورايا!!!"
دخلت نورسين أولاً يتبعها عمرو ليجدا نفسيهما على أول سلم ضيق، وعم إدريس يسبقهما نزولاً على درجات السلم الملفوف كأسطوانة متجهاً إلى الأسفل وهو يضيء المكان بكشاف يمسكه في يده حتى وصلوا إلى الأرض، ليجدوا أمامهم سرداب طويل ساروا فيه دون أن ينبس أحدهم ببنت شفه، لم يمضِ الكثير من الوقت حتى وصلوا إلى باب حديدي في نهايته، سارع عم إدريس بفتح الباب وأشار إليهما ليسبقاه بالدخول ثم تبعهما وأغلق الباب.....
وصل آدم وياسر إلى المكان المضيء وسط الظلام متجاهلين أصوات صراخ حسام وطارق القادمة من الأعلى، ليجدا مصباح على طاوله صغيره بجواره رسالة، سارع آدم بفتح الرسالة وأعطاها لياسر ليقرأها بصوت مرتفع، سارع ياسر بالقراءة في ارتباكٍ شديد:
" فلوس جدك هتلاقيها فأوضته، لو كنت زورته مره واحده بس كنت عرفت هي أي أوضه! وبالنسبه للمخرج اللي في القصر ف............ دور عليه بنفسك!"
تعالت صرخات آدم وهو يركل كل ما يصادفه في طريقه وكل ذره في كيانه تحترق غضباً.......
وقف عمرو ونورسين في ردهة ذلك المنزل الصغير الذي وجدا نفسيهما بداخله بعد عبور الباب الحديدي وظلا يتطلعان في وجه عم إدريس عن كثب بانتظار تفسير ما يجري، نظر إليهما عم إدريس، وابتسم قائلاً:
- " وصية نزار باشا ليا كانت إني ما أسيبش القصر إلا لما آدم يدخله، وأنا نفذتها، وسيبتله ورقه قولتله فيها مكان الفلوس، والمخرج اللي في القصر يبقى يدور عليه براحته أو يخرج من المتاهه زي ما دخل، أنا شايف إنه هو ده اللي يستحقه، وأنا كده عملت اللي عليا ووصلت الأمانه لصاحبها بالطريقه اللي يستاهلها، وجه الوقت اللي أعيش فيه اللي باقي من عمري حر! بس ليا طلب أخير عندكم ياريت المخرج ده يفضل سر بينا!"
وافقه عمرو ونورسين بإيماءةٍ من رأسيهما ثم قال عمرو:
- "ما تقلقش يا عم إدريس كل اللي حصل جوه المتاهة أنا مش عاوز أفتكره تاني!"
سارعت نورسين بالقول:
- "ولا أنا"
فاستطرد عمرو قائلاً:
- "ولو آدم حاول يسألنا بعدين خرجنا من القصر إزاي هنقوله من المتاهه"
أجابه عم إدريس قائلاً:
- " وأنا هبلغ الشرطه عن جثث الشابين اللي في متاهة القصر اللي بقي مسئولية آدم دلوقتي!"
شكراه كثيراً على مساعدته لهما ثم خرجوا معا من باب المنزل الذي كان وسط أرض مهجورة لا تبعد كثيرا عن المتاهة وبجواره سياره، استقل عم إدريس السياره يرافقه عمرو ونورسين وانطلق يقودها حتى أوصلهما إلى موقف الحافلات في بلدة قريبة منهم ليستقلا حافلة يعودان بها إلى القاهرة.
بعد مرور عدة ساعات..
نزلا من الحافلة استعداداً لعودة كل منهما إلى منزله، نظر عمرو إلى نورسين وهو يقول ضاحكا:
- "وانتي ساكنه فين بقى؟! عشان أوصلك وأسلمك فلوسك وتعديهم كويس، وأهي فرصة أتعرف على باباكي!!"