القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

كفر ابو شامه_الجزء الثاني

كتبت: فاطمه محمد

تجمد إياد في مكانه وبجواره ساره التي كانت ترتعد خوفاً، وأعينهما تتنقل بين أبواب المنزلين، فالمنزل الأول خرجت منه سيده عجوز ملامحها تثير الرعب في النفوس، طويلة القامه، على الناحية اليمنى من رقبتها ووجهها آثار حروق شديده وعلى ذقنها من الناحية اليسرى شامه كبيره تزيد من حدة ملامحها، وترتدي ملابس باليه تبدو غريبه للغايه، جلباب أزرق باهت واسع وطويل وفوقه عباءه سوداء مهترئه تمتد على الأرض خلفها نحو شبرين وتغطي رأسها بعمامةٍ سوداء، تمسك في يدها التي تظهر عليها أيضاً آثار لحروق شديده بمصباح يبدو قديماً للغايه، ينعكس ضوءه على وجهها وسط الظلام ليزيد مظهرها رعباً، ومن باب المنزل الآخر خرج رجل عجوز ملامحه كذلك لا تبعث على الارتياح ونظراته مريبه وعلى خده الأيسر شامه كبيره ملفته للنظر، يرتدي جلباب بني وفوقه عباءه باليه يبدو أنها كانت بيضاء في أحد الأيام قبل أن يتحول لونها لخليط بين الأصفر والرمادي، ويغطي رأسه بعمامه بيضاء لا يختلف حالها كثيراً عن حال العباءه ويمسك في يده بمصباح هو الآخر.
تبادل الرجل مع المرأة العجوز نظره طويله دون أن يحيد نظرهما عن بعض وبلا أن ينطق أحدهما بحرف، زاد منظرهما من فزع إياد وساره اللذان فقدا القدرة على النطق ووقفا يتابعان ما يجري في صمت، ثم فجأةً انسحب الرجل إلى داخل منزله وأغلق الباب، استدارت المرأه نحو إياد الذي شعر برعشه تسري في عروقه حين تلاقت عينه بعينيها المخيفتين وقال بتلعثم شديد:
- "السلام عليكم يا حجه، إحنا عربيتنا عطلت عالطريق وكنا بندور على حد يساعدنا"
أشارت إليهما ليتبعاها واستدارت إلى داخل المنزل دون أن تنبس ببنت شفه، تبادل إياد وساره نظرات تنم عن الخوف الذي يجتاحهما من فكرة الدخول إلى منزلها، قال إياد في خفوت:
- "ما تخافيش دي ست عجوزه أكيد مش هتأذينا، يمكن تندهلنا حد يساعدنا"
- " تعالى نمشي يا إياد الناس دول شكلهم مش مريح خالص"
أمسك إياد بيدها يسحبها معه وهو يخطو باتجاه منزل المرأة العجوز قائلاً:
- "تعالي بس مش هنطول لو لقينا أي حاجه غريبه هنمشي علطول"
سارت معه ساره تجر قدميها جراً وهي تشعر بانقباضه شديده في قلبها.
 دخلا المنزل ووقفا في الردهة ينظران حولهما، كان المكان موحشا للغايه، على يمينهما أريكه صغيره متهالكه بجوارها كرسي خشبي قديم وفي نهاية الردهه توجد غرفه صغيره، وضعت المرأة المصباح على طرف النافذه وجلست على الكرسي تنظر إليهما في جمود قائلةً:
- "مين اللي دلكم علينا؟!"
تبادلا نظرة توتر، رد إياد قائلاً:
- "ما حدش والله يا حجه، احنا عربيتنا عطلت عالطريق زي ما قلتلك، وقفت أدور على حد يساعدنا شوفت نور جي من ناحيتكم، فقولت أستنجد بيكم عشان تساعدونا"
ضيقت حدقة عينيها وهي تحدق فيه تتفرس ردة فعله على كلماتها على نحوٍ مفزع، قائلةً:
- "يعني مش حسن اللي باعتكم؟!"
- " حسن مين يا حجه؟! والله ما حد بعتنا ولا قابلنا حد ولو مش مصدقاني ابعتي حد معانا يشوف العربيه العطلانه وانتي هتتأكدي بنفسك"
لمح شبح ابتسامه على وجهها لم يفهم سببها، ثم استطردت قائلةً:
- "طالما ما قابلتوش حسن يبقى انتو ضيوفي الليلادي"
قالت ساره بصوتٍ مرتجف:
- "اسم حضرتك إيه؟!"
ردت المرأة في شموخ:
- "أنا نادره أبو شامه، كبيرة كفر أبو شامه!"
- "تشرفنا بحضرتك يا حجه، ممكن تبعتي معانا حد يشوف العربيه مالها عشان مستعجلين ولسه قدامنا طريق سفر طويل، ومش عاوزين نتأخر أكتر من كده"
- " قولت انتو ضيوفي الليلادي، يعني مفيش خروج دلوقتي خالص"
في تلك اللحظه خرج من خلف الأريكة قط أسود ضخم عيناه تلمعان وسط الظلام على نحو مرعب، لم يلاحظا وجوده حين دخولهما، جلس بجوار قدمي نادره في هدوء وهو يحدق فيهما، ابتسمت نادره عند رؤيته بينما صرخت ساره في فزع، وارتجف إياد الذي صاح في انفعال وقد بدأ يشعر بالخطر:
- "يعني إيه مفيش خروج؟! إحنا جايين نطلب مساعده لو مش هتساعدونا يبقى نمشي"
- "مش دلوقتي، أما أأذن لكم دخول كفر أبوشامه مش زي الخروج منه، أنا خارجه شويه وجايالكم"
تجاهلت انفعال إياد وهمهماته الممتعضه، وخرجت من المنزل يتبعها ذلك القط الأسود، قالت ساره في قلق:
- "وبعدين يا إياد احنا مستنيين إيه، تعالى نمشي بسرعه قبل ما تيجي، اللي بيحصل ده مايطمنش خالص"
- "مش هينفع يا ساره مش عاوزين نعاديها، بتقولك كبيرة الكَفْر واحنا فوسط الصحرا يعني هيجيبونا هيجيبونا، استني أما نشوف إيه حكايتها"
جلسا على الأريكة المتهالكة والتي تبدو قديمة للغاية يكسوها طبقات متراكمه من الغبار، في انتظار عودتها، لم يمض وقت طويل حتى عادت وبرفقتها شاب يشبهها إلى حد كبير، رمقهما بنظرة غير مفهومه، همست في أذنيه ببعض الكلمات ثم قالت موجهةً حديثها إلى ساره:
- "انتي هتفضلي معايا هنا" ثم أشارت نحو إياد وأردفت:
- "وانت هتروح مع صالح"
صاح إياد في انفعال وقد نفذ صبره:
- " اسمعي يا ست انتي أنا مش هروح في حته ولا هسيب مراتي فحته وهنمشي دلوقتي حالاً"
صعقته بقولها وهي تحدق فيه بتحدي:
- "امشي لو تقدر!!"
تجاهل حديثها وجذب ساره من يدها متجهاً نحو الباب وهمَّ بفتحه، لكنه صعق حينما وجد يده مرتخيه لا يقوى على تحريكها ثم اتسعت عيناه حينما أدرك أنه لا يقو على تحريك قدميه أيضاً، استجمع كل قوته ليتابع سيره لكنه سقط مغشياً عليه.....


استعاد وعيه فجأةً وعيناه تدوران في المكان من حوله في فزع باحثاً عن ساره لكنه لم يجد أمامه سوى ذك الشاب المدعو صالح، اندفع نحوه في عصبيه وأمسك بتلابيبه وهو يهدر قائلاً:
- "مراتي فين، أقسم بالله لو جرالها حاجه ما هسيب فيكو حد حي!!"
نظر إليه صالح في برود قائلاً:
- "محدش فينا هيقدر يساعدك"
- "انتو مين وعاوزين مننا إيه؟! أنا مش قادر أفهم؟! إنتو خاطفينا يعني؟! هتموتونا؟! طب هتستفادو إيه؟ ما تنطق يا بني آدم فهمني انتو عاوزين مننا إيه بالظبط؟؟!!"
- إحنا كمان محبوسين هنا زيك، أنا مش هقدر أفيدك بحاجه إحنا بننفذ الأوامر وبس، الوحيد اللي يقدر يساعدك هو حسن!"
صرخ إياد في وجهه قائلاً:
- "يادي حسن!! أوصله ازاي حسن ده دلوقتي! يا ابني فهمني انتو إيه حكايتكو بالظبط؟!"
- "حكايتنا طويله أوي ومش هتفيدك بحاجه، وحسن يبقى ابن المرحوم أسعد اللي كان جوز نادره والوحيد اللي يقدر عليها، بس هو ممنوع من دخول الكفر من سنين عشان هي خايفه منه، وأي حد غريب بيوصلنا بتخاف ليكون من طرفه وب......بتخلص عليه!"
صاح إياد في ذعر: "ساره!!!!!"
*********************************
صرخت ساره في فزع وهي تشاهد إياد يسقط مغشياً عليه وصالح يجره إلى خارج المنزل، حاولت الركض خلفه لكنها لم تقوَ على تحريك قدميها هي الأخرى، التفتت نحو نادره وقالت باكيةً:
- "حرام عليكي! انتي عاوزه مننا إيه؟! سيبينا نمشي!"
نظرت إليها نادره في برود وذلك القط يجلس بجوارها محدقاً في ساره، ثم قالت:
- " مش عاوزه كتر كلام، أنا بس هنا اللي أقرر إيه اللي يحصل ويحصل إمتى، ولو خايفه على جوزك يبقى تنفذي اللي هقولهولك بالحرف وإلا هأذيه، اتفضلي ادخلي الأوضه اللي قدامك دي ومتطلعيش منها غير أما أندهلك!"
استسلمت ساره لدموعها ودخلت إلى الغرفه وهي تشعر أنها تعيش في كابوس، وسؤال واحد لا ينفك يتردد في عقلها كدوي النحل،
كيف سيخرجان هي وإياد من "كفر أبو شامه" على قيد الحياه؟؟!!!!!!!!