"هاتي الباور بانك بسرعه يا ساره موبايلي هيفصل"
نظرت إليه ساره بارتباك وقالت بتلعثم:
- " أنا....نسيته!"
حدق فيها إياد في ذهول ثم صاح بعصبيه:
- "انتي بتهزري يا ساره؟! دا أنا مأكد عليكي تجيبيه ييجي عشر مرات، الموبايل هيفصل وأنا مش عارف الطريق همشي ازاي من غير ال GPS واحنا على طريق سفر طويل زي ده؟!!"
- " ما تقلقش يا إياد ما الطريق مليان يافطات أهه وهنوصل بالسلامه بإذن الله"
تنهد إياد في ضيق لكنه كتم غيظه فليس أمامه خيار آخر، خطر بباله أن يستعين بهاتف ساره لكنه يعلم أن لا جدوى من ذلك فهي تشكو دائماً من قدم هاتفها وعدم عمل أغلب البرامج عليه بالشكل المطلوب. آثر الصمت مع التركيز الشديد على اللافتات حتى لا يضل طريقه.
سارت الأمور بشكل طبيعي للغاية، فهدأت أعصابه بعض الشيء وقد قطع أكثر من نصف الطريق، حتى ظهر أمامه مفترق طرق ليس بجواره أية لافته، عاد القلق والتوتر يسيطران عليه وقد أصبح في حيرة بالغه لا يدري أي الطريقين يتوجب عليه أن يسلكه، وقف مكانه لفتره ليست بالقصيرة في انتظار مرور أي سيارة ليسأل سائقها، لكن لم يمر أحد، أوشكت الشمس على المغيب فخشي أن يحل الظلام عليهما في مكان مقطوع تماماً كهذا، فقرر اختيار الطريق الأيمن وسلكه والقلق يسيطر عليه، دون أن يلاحظ تلك اللافتة المكسورة على أول الطريق والتي طارت بعيداً بفعل الرياح مكتوب عليها " خطر!"، نظرا لتكرار الحوادث والأقاويل المريبة عن ذلك الطريق حتى أن بعض الأشخاص سلكوه ولم يعودوا منه أبدا ولم يعثروا لهم على أثر يذكر.
ظلت ساره تسترق النظرات إليه بين الحين والآخر في أسف، والشعور بالمسؤولية عما يجري يعتصر قلبها، وقد سيطر التوتر على إياد تماماً وهو يسير في طريق لا توجد به أية لافته ولا تسير فيه سيارة واحده!
لم يعد يتبقى من قرص الشمس سوى بعض الحمرة التي تلوح في الأفق لتنذر بحلول الظلام، وفجأةً ظهر ضباب كثيف أحاط بهم من كل اتجاه وحجب الرؤية تماماً، صرخت ساره في فزع وارتعدت أوصال إياد فأوقف السيارة وأغلق أبوابها جيداً، أضاء مصابيح السيارة الداخلية، ثم أمسك بيد ساره زوجته محاولاً تهدئتها وقد دخلت في وصلة من البكاء الشديد، أخذ يتلو بعض آيات القرآن الكريم، حتى بدأ الضباب يتلاشى تدريجياً، أدار مفتاح السيارة لكنها لم تستجب، حاول مراراً بلا جدوى لم يكن أمامه سوى النزول وفتح صندوق السيارة الأمامي لعله يفهم سبب ذلك العطل المفاجئ، صاحت ساره وهي تمسك بذراعه محاولةً منعه من النزول:
- " عشان خاطري يا إياد متنزلش المكان شكله يرعب! ما تعرفش ممكن تلاقي إيه بره؟!"
- " لازم أنزل يا ساره العربيه مش عاوزه تدور والدنيا ضلمت وزي ما انتي شايفه الطريق مقطوع ومش هنلاقي حد يساعدنا، ما تخافيش مش هتأخر، ان شاء الله تطلع حاجه بسيطه وتدور علطول"
أضاء كشافات السياره ثم نزل وهو يجاهد ليتمالك أعصابه، أخذ يتلفت حوله في قلق ثم فتح صندوق السيارة الأمامي، لم تكن لدى إياد الخبره الكافيه في فهم أعطال السيارات فلم يستطع تحديد سبب العطل، أخذ يحاول تشغيلها مراراً بلا جدوى، وقف بجوار السيارة في يأس محاولاً الابتعاد عن ساره التي كانت في حالة انهيارٍ تام من شدة الخوف، أخذ نفساً عميقاً وهو يعتصر عقله لإيجاد حل، جعل يدير نظره في المكان من حوله، حتى اتسعت عيناه من المفاجأة، فأمامه على مسافه ليست بالقريبة كانت تنبعث بعض الأضواء الهادئة، لم يستطع أن يتبين مصدرها لكنه على يقين من وجودها، أسرع إلى السيارة وأخبر ساره بما رآه فقالت في تعجب:
- "إيه اللي بتقوله ده يا إياد؟ عاوزنا نمشي فوسط الصحرا عشان بيتهيألك ان في نور؟ وازاي أصلاً ممكن يكون في حد عايش في مكان زي ده؟"
- " طب إنزلي وبصي بنفسك ولو قولتيلي مش شايفه حاجه يبقى اعتبريني ما تكلمتش خالص"
نزلت ساره برفقته رغم خوفها الشديد لكن الفضول كان يسيطر عليها، أشار بيده إلى مصدر الضوء فاتسعت عيناها وشهقت وهي تحدق فيه قائلةً:
- "فعلاً معاك حق! في نور جاي من هناك!"
- "خليكي انتي جوه العربيه وأنا هقفلها كويس وأروح هناك، يمكن ألاقي حد يساعدنا"
حدقت فيه في ذعر قائلةً:
- "عاوز تسيبني في مكان زي ده لوحدي؟! استحاله طبعاً رجلي على رجلك"
استسلم لرغبتها في النهايه بعد مجادله استمرت لعدة دقائق، أغلق أبواب السيارة جيداً، ثم سارا معاً باتجاه الضوء، لم يكن الأمر سهلاً على الإطلاق فالسير في وسط الصحراء ليلاً هو ضرب من الجنون لكن لم يكن أمامهما خيار آخر، أضاءت ساره مصباح هاتفها وسارعا بالسير في اتجاه الضوء، لم يلاحظا ذلك الرجل الذي يقف خلفهما على أول الطريق يراقبهما عن كثب.
بدأت الأمور تتضح قليلاً، فأمامهما تظهر قرية صغيره تنبعث الأضواء الخافتة من مساكنها الطينية، اتسعت ابتسامتهما وقد زاد بداخلهما الأمل في العثور على من يساعدهما في الخروج من ذلك المكان الموحش.
دخلا القرية يتلفتان حولهما في حذر، كانت القرية مكونه من نحو عشرة منازل طينيه صغيره أغلبها مظلم تماماً، اثنان في المقدمة رغم صغرهما لكنهما أكبر حجماً من البقيه، بجوار أحدهما يرقد حصان هزيل لم يُبد أية ردة فعل حين رؤيتهما، وبين كل منزل والآخر مسافه لا تتعدى المترين، لا ينبعث الضوء سوى من نوافذ ثلاثة منازل فقط، المنزلين في المقدمه وواحد آخر خلفهما، لفت انتباههما عدم سماع أية أصوات توحي بوجود أحد في تلك المنازل، وقف إياد أمام أحدها وطرق الباب الخشبي الصغير، تبادل هو وساره نظرات قلقه للغايه لمرور بضعة دقائق دون أن يفتح الباب، اقتربت ساره من الباب ووضعت أذنها محاولةً الإنصات لأي صوت يدل على وجود أحد بالداخل، لكنها لم تسمع شيئاً على الإطلاق، مطت شفتيها في تعجب وهي تنظر إلى إياد وتحرك رأسها في دلالة على عدم سماع شيء، تنهد إياد في ضيق وقرر الانصراف نحو المنزل المقابل له لعله يجد فيه أحد، كان المنزل الآخر على بعد عدة خطوات فقط، وقف أمام الباب وطرق بقوه، وعينا ساره معلقه ببابه في انتظار أن يفتح وهي لاتزال واقفةً أمام باب المنزل الأول، مضت بضع دقائق دون حدوث أي شيء يذكر يدل على وجود أحد بالمنزل، تطلع إياد في ذلك الضوء المنبعث من نوافذ المنزلين في تعجب، فإذا كانت المنازل خاليه فما تفسير وجود تلك الأضواء، وفجأةً فُتح البابان في نفس اللحظة، أجفل إياد وتراجع إلى الوراء بحركة غريزيه، بينما أطلقت ساره صرخة مكتومه وهي تركض نحو إياد وقد اتسعت أعينهما في ذعر فما شاهداه كان مفزعاً للغاية!!!!!