القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

المتاهه_الجزء الثالث

✍️ فاطمه محمد

استيقظت نورسين على صوت صرخة أثارت في قلبها الفزع، فارتدت خوذتها مسرعة وحملت حقيبتها ثم خرجت من الغرفة راكضة على غير هدى ودقات قلبها تتعالى من فرط الخوف، كانت تبحث عن مصدر الصوت، حاولت الركض باتجاهه، لكنها شعرت أن ممرات المتاهة تجبرها على السير في طريق محدد، لم تتمكن من التأكد من استنتاجها لكنها واصلت الركض لعلها تتمكن من معرفة سبب تلك الصرخة المفزعة.....

لم يصدق متسابق رقم (٦) عينيه وهو يرى مبنى القصر يظهر أمامه من خلف جدران المتاهة على نحو لافت وقد أدرك أنه قد اقترب منه كثيرا، لكن الممرات كانت تزداد تشعبا وتزداد معها حيرته في اختيار المسارات التي يسير فيها، واصل الركض حتى وجد أمامه ممر يختلف كثيرا عن سائر الممرات التي سار فيها حتى الآن، كان طويلا للغايه و مستقيما سار فيه بخطوات سريعه ظنا منه أنه الطريق المؤدي إلى القصر، حتى شعر بأنه ضغط على شيء في الأرض، نظر إلى الأسفل ليجد جزءا مربعا ينخفض للأسفل تحت موضع قدمه تماما، وقبل أن يخطو خطوه واحده اتسعت عيناه في ذهول وصرخ في ذعر وقد أدرك أنه مجرد فخ لكن الوقت كان قد تأخر كثيرا.....

داخل الاستراحة..
اتسعت أعين الجميع وهم يتابعون ذلك الرمح الحديدي الطويل الذي خرج مندفعا من أحد جدران المتاهة ليخترق جسد المتسابق رقم (٦) في ثوانٍ ويفقده الحياة في الحال!
امتقع وجه ياسر وتعالت صيحات باقي المشرفين من هول المنظر، واتجهوا نحوه يتساءلون عن تفسير ما يجري، لكنه أخذ هاتفه وركض بعيداً، اتصل بمستر آدم وقصَّ عليه ما حدث في توتر شديد، فأجابه آدم:
- " فهم كل المشرفين إننا هنوقف المسابقه عشان اللي حصل لكن هنأجل إبلاغ المشتركين شويه عشان ما يحصلهمش هلع، وقولهم إنك اتصلت بالإسعاف وهما في الطريق، وأول ما النهار يطلع مشيهم "
- "تحت أمرك يا مستر آدم!"

تابع عمرو السير بخطوات متزنة للغاية وهو يختار بدقه بالغه كل ممر يسير فيه، واصل السير لفتره طويله حتى ظهرت أمامه غرفة راحة أخرى، سعد كثيراً لرؤيتها فقد كان في حاجةٍ ماسه ليلتقط أنفاسه قليلاً بل أنه اتخذ قراره بالنوم حتى الصباح، وقد أصابه الضجر من ذلك الغموض الذي يحيط بكل شيءٍ حوله وعدم حديث أي شخص من لجنة المسابقة معه منذ بدايتها وحتى الآن، تساءل في نفسه: ترى هل يكون السبب عطل جهاز الاستقبال الخاص به؟ أمسك بجهاز الاستقبال وتفحصه جيداً لكنه لم يتمكن من تحديد إن كان معطل أم لا، فقرب الميكروفون من فمه وقال في عصبيه:
- "هو انتو شايفينا ولا المسابقه خلصت ومشيتو ولا إيه اللي بيحصل بالظبط؟!"
رد عليه ياسر في هدوء:
- "شايفينك يا عمرو والمسابقة لسه مستمرة"
اعتدل عمرو واقفاً وقد ابتهج كثيراً لرد ياسر عليه، ثم تابع مسرعاً:
- "إيه سبب الصرخة اللي أنا سمعتها دي؟ حد جراله حاجه؟ّ!"
- "متقلقش في متسابق وقع وقعه جامده شويه واحنا خرجناه خلاص"
زفر في ارتياح، وشكر ياسر كثيراً لطمأنته ثم خلع خوذته وأبقى الكشاف منيراً ليضيء الغرفة ثم استلقى على الأريكة لينال قسطاً من الراحة، اتسعت عيناه في ذهول وهو يرى أمام عينه تلك العلامة التي حفرها بيده منذ ساعات على الأريكة، اعتدل مسرعاً وأخذ يفرك عينيه في دهشة بالغه وهو يحاول فهم ما يعنيه ذلك؟! أخرج الورقة التي يرسم فيها الممرات التي سلكها من جيبه وظل يتأملها عن كثب وهو يتساءل في حيره، كيف يعقل أن يعود لنفس المكان ثانيةً؟؟! ثم طوى الورقة لتلتقي النقطة التي تمثل الغرفة في المرة الأولى بالنقطة التي تمثلها فيها للمرة الثانية فاتسعت عيناه وشهق في ذهول وقد استنتج شيئاً في غاية الأهمية....

سارت نورسين لفترة طويله وقد أنهكها التعب وغلبها النعاس حتى أصبحت في أمس الحاجة للوصول إلى غرفة الراحة، لم تصدق عينيها عندما وجدتها أخيراً، لم تمضِ ثوان حتى كانت تغط في نومٍ عميق.
فتحت عينيها في بطء وقد أدركت أنها نامت باقي الليلة بأكملها حينما لاحظت ضوء الشمس الذي بدأ يغطي الأفق، خرجت من الغرفة وهي في غاية الفضول لتتسلق جدارها وتعرف كم اقتربت من القصر؟!، تسلقت الجدار حتى ارتفعت بالقدر الكافي ونظرت نحو القصر، لتشهق في فزع وقد أدركت أنها على نفس المسافة لم تتقدم خطوة واحده، كان الأمر يبدو جنونياً إلى أقصى حد حتى أنها تابعت تسلق الجدار وجلست فوق سطح الغرفة وقد أصابها اليأس من قدرتها على استكمال الطريق إلى القصر بل أنها قد فكرت في الانسحاب رغم علمها بأن ذلك يعتبر مخالفاً للشروط لكنها قررت إبلاغهم بذلك على الفور...

 ظل عمرو محدقاً في الورقة لوهله يتابع بنظره ذلك الطريق المرسوم أمامه، وقد أدرك أنه يسير في طريق دائري لن يمكنه من الوصول إلى القصر أبداً، أغمض عينيه واستغرق في تفكير عميق دام ما يقارب ربع الساعة وهو يراجع في ذهنه كل خياراته التي اتخذها منذ دخوله إلى المتاهة، فتح عينيه وخرج من الغرفة وظل يدور حول نفسه وهو يدقق النظر في الجدران المحيطة به جيداً، ثم توقف فجأة واقترب من أحدها ونزل على الأرض ليتأكد من حقيقة ما يراه، لقد كان جزء في منتصف الجدار يرتفع عن الأرض لمسافه لا تتجاوز بضع السنتيمترات على عكس  باقي الجدار الملاصق للأرض تماماً، اعتدل واقفاً وأخذ يدقق جيداً في الأجزاء الظاهرة من ذلك الجدار والذي كانت النباتات تغطي معظم أجزاءه، لتتسع ابتسامته وقد تأكد من صحة استنتاجه إنه جزء متحرك!
استجمع كل قوته وأخذ يدفعه بكلتا يديه، لكنه لم يتحرك قط! أعاد المحاولة مراراً حتى أخذ ذلك الجزء من الجدار يتحرك في بطء وكان بحجم باب صغير ليفتح أمامه ممر نحو طريق مختلف تماماً!   
أخذ يصيح في سعادة ثم انطلق مسرعاً نحو الطريق الجديد وقد بدأ الجدار يتحرك في بطء ليعود ثانية لوضعه السابق، دون أن يلاحظ عمرو ذلك الشخص الذي كان يختبئ خلف جدار المتاهة يراقبه عن كثب والذي تبعه نحو الطريق الجديد مسرعاً قبل اكتمال عودة الجدار.....

وقفت نورسين فوق سطح الغرفة تنظر إلى القصر في أسف فكم كانت تتمنى رؤيته عن قرب بل ودخوله أيضاً لكنها لن تتمكن من ذلك أبداً بعد قرارها بالانسحاب ، تنهدت في حسره ثم أمسكت بالميكروفون في سترتها لتبلغهم بقرارها أياً كانت العواقب، لكنها توقفت فجأة وهي تلمح شخص في طريقه نحوها وقد اقترب منها كثيراً، شعرت بخليط من المشاعر المتضاربة بين القلق والفرحة لرؤية أحد أخيراً، فقد ملَّت مكوثها وحدها كل تلك الفترة،  وصل عمرو إلى غرفة الراحة التي لاتزال نورسين تجلس فوق سطحها، لم يلاحظ وجودها وقد دخل إلى الغرفة راكضاً ينظر في الأريكة باحثا عن تلك العلامة ليتأكد إن كان قد عاد إلى نفس النقطة ثانيةً أم لا؟!، لكنه تجمد مكانه عندما رأى حقيبتها على الأريكة، ففهم وجود أحد غيره في نفس المكان وقبل أن يلتفت إلى الخلف سمع صوتاً يقول:
- " دي شنطتي!"
حدق في نورسين بارتباك قائلاً:
- "آسف كنت فاكر الأوضه فاضيه"
- "ولا يهمك اعتبرها فاضيه لإني هنسحب دلوقتي"
قال متعجباً:
- "مينفعش الانسحاب مش هيوافقوا، وبعدين ليه عاوزه تنسحبي؟"
- " عشان بلف وأرجع لنفس المكان وما قربتش من القصر خطوه"
ابتسم قائلاً:
- " أنا فهمت السبب"
ثم أخرج الورقة وجعل يشرح لها الاستنتاج الذي توصل إليه، أن السير في الممرات التي باتجاه القصر ستشكل دائرة مغلقه لن تقترب منه أبداً، وبالطبع فلا أمل في التقاء أحد المتسابقين بالآخر أو وصوله إلى القصر أبداً، ثم أخبرها بما اكتشفه وكيف وصل إليها، ثم استطرد قائلاً:
- " لو كملنا بنفس الطريقه وفضلنا ندور عالأجزاء المتحركه في كل جدران المتاهه هنوصل لطريق مشترك بين المداخل الستة وأكيد هو ده اللي هيوصل للقصر!"
ظلت نورسين تسمعه باهتمام بالغ وهي لا تخفي انبهارها بمدى ذكائه، ويزداد بداخلها الشعور بسعادة بالغه لعودة الأمل إليها ثانية ً للوصول إلى القصر، ثم قالت في ارتباك:
- "شكراً جداً إنك ساعدتني، بس إحنا لو مشينا في نفس الطريق هنوصل القصر مع بعض وهما حذروا من كده لإن في الآخر في فايز واحد بس"
اتسم عمرو ضاحكاً وهو يقول:
- " هما قالوا المخرج جوا القصر واللي يلاقيه الأول ويعرف يخرج منه هو الفايز، أنا هساعدك لحد ما نوصل للقصر، وبعد كده كل واحد يدور عالمخرج لوحده"
ابتسمت في سعادة بالغه وهي تقول:
- " تمام اتفقنا!"

جلس ياسر يتابع ما يجري أمامه في اهتمام بالغ والابتسامة تعلو وجهه، بعد أن أجبر باقي المشرفين على الرحيل وبقي وحده، ثم أمسك بالهاتف وأجرى المكالمة التالية:
- " مستر آدم عندي أخبار حلوه، عمرو وصل لأول الخيط!"
- "هايل يا ياسر! وحسام فين؟"
- "وراه متقلقش أنا دخلته من نفس المدخل من غير ما حد يلاحظ"
- " عظيم! بس نبه عليه! إوعى عمرو يحس بيه لحد ما يوصل للقصر"

كان عمرو قد بدأ في تلك الأثناء ومعه نورسين الجزء الأهم من الطريق المؤدي إلى القصر دون أن يعلما شيئاً عن ذلك الخطر المحدق الكامن بين أرجاء المتاهة