القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

المتاهه_الجزء الثاني

✍️ فاطمه محمد

أمام أعين الجميع كانت تظهر مساحة هائلة يغلب عليها اللون الأخضر يصعب تحديد تفاصيلها من موقعهم بسبب ارتفاعها الشديد، بالكاد يُرى في منتصفها الجزء العلوي من مبنى لا يمكن تحديد شكله.   
نزلوا من الحافلة، ووقف المتسابقين يستمعون إلى التعليمات الأخيرة من المشرفين قبل البدء، وقد أخبروهم بأن كل متسابق سيدخل إلى المتاهة من مدخل مختلف عن الآخر، وسيكون بمفرده طوال فترة المسابقة، وإذا التقى أحدهم بآخر مصادفة أثناء السير في المتاهة فمن الأفضل أن يسارعا بالافتراق لأن الرابح في النهاية هو شخص واحد، هو الذي سيتمكن من الخروج من مخرج وحيد موجود بداخل القصر في منتصف المتاهه، وسيتوجب على المتسابق العثور على المخرج والخروج منه حين وصوله إلى القصر، ثم طلبوا منهم عدم خلع السترة أو الخوذة نهائياً طوال فترة المسابقة باستثناء أوقات الراحة، وأخبروهم بوجود غرف صغيره تكفي لشخص واحد ملحق بها دورات مياه منتشرة في أرجاء المتاهة  يمكنهم استخدامها للراحة من آن لآخر.
تساءل أحد المتسابقين عن كيفية وجود المخرج في منتصف المتاهه؟ فأجابه ياسر:
- " هتعرف إجابة السؤال ده أما توصل للقصر!"
 وقف عمرو يتابع تعبيرات وجه المتسابقين التي تضج بالحماس ما عدا نورسين التي يظهر عليها التوتر الشديد، وذلك المتسابق المريب الذي لم يكف عن استراق النظرات إليه من آنٍ لآخر وتبدو ملامح وجهه جامده ومحيرة للغاية.
 ثم اصطحب كل مشرف متسابق واحد فقط نحو أحد مداخل المتاهة الستة بعد أن ألصق على سترته رقم يماثل رقم المدخل الذي سيبدأ منه، وتركه في انتظار إشارة البدء التي ستصله على جهاز الاستقبال، بعدما تأكدوا من وقوف كل متسابق أمام مدخله الصحيح، اجتمع المشرفين بداخل استراحة كانت عند أحد أطراف المتاهة من الخارج وقد وضعت بها أجهزه لمتابعة المتسابقين بالصوت والصورة، ثم أمسك ياسر بميكروفون موصَّل بجميع أجهزة استقبال المتسابقين وقال في حماس:
- " أبدأوا!!"
تعالت صيحات المتسابقين في حماس بينما تبادل المشرفين نظرات تحمل الكثير من الجديه، ما عدا ياسر الذي ابتسم في سخريه لكن سرعان ما زالت ابتسامته وهو يستمع لصوت أنفاس نورسين المتلاحقة -عبر الميكروفون المثبت في سترتها- والتي تنم عن حالة التوتر التي تعتريها وهو يغمغم في خفوت قائلاً:
- "مش عارف بس ليه عملتي فنفسك كده؟!!"
انتزعه من شروده صوت رنة هاتفه فسارع بالرد في ارتباك:
- " مستر آدم كنت لسه هكلمك حالاً، هما بدأوا خلاص واحنا بنتابعهم دلوقتي، لو في أي جديد أكيد هكلمك علطول"
ثم أنهى المكالمة وجلس على كرسي يتابع كل منهم عن كثب.....

تلقى عمرو إشارة البدء وانطلق مسرعاً عبر مدخل رقم (2) وهو يدقق في تفاصيل كل شيء حوله كما اعتاد أن يفعل دائماً، كان يرى أمامه متاهة متقنة ببراعة لم يتوقع أن يرى شيئاً كهذا في حياته، يبدو أن تصميمها قد استغرق الكثير من الوقت، تكسو معظم أجزاء جدرانها النباتات الخضراء، كانت جدران المتاهة عالية للغاية تحجب رؤيته تماماً عن كل ما يحيط به، لفت انتباهه أن الأرض التي يسير عليها قاسيه كثيراً، جثى على ركبتيه وأخذ يزيح طبقات التراب التي تكسوها بيديه، اتسعت عيناه في دهشه وهو يرى أمامه نقوشاً قديمة للغاية محفوره على الأرض بدقة متناهيه، وقف وأخرج من حقيبته ورقه وقلم وقرر أن يحاول رسم الطريق الذي يسير فيه فقد يساعده ذلك في الوصول إلى المخرج، ثم تابع سيره بهدوء على عكس باقي المتسابقين الذين كانوا يركضون داخل ممرات المتاهة بلا توقف.
 تابع الجميع السير لساعاتٍ طويله حتى أنهكهم التعب، لم يلتقِ أي منهم بآخرين حتى هذه اللحظة، وصل عمرو إلى إحدى غرف الراحة، فتهللت أساريره كثيراً وقرر أخذ قسطاً من الراحة، كانت الغرفة عباره عن مبنى صغير جداً في زاوية إحدى جدران المتاهة، دخل بخطوات بطيئة وهو يسلط ضوء الكشاف على كل أرجائها خشية وجود أي حشرات قد تلدغه لكنه اطمئن لخلوها، وجد أمامه أريكة خشبيه متهالكة، استلقى عليها يلتقط أنفاسه، ثم غفى قليلاً، لم يمضِ وقتٌ طويل حتى استيقظ من غفوته على صوت صرخةٍ مدوية يرن صداها في المكان، انتفض جسده في فزع وركض خارج الغرفة يرهف السمع لعله يفهم ماذا يجري، لكنه لم يسمع أية أصوات أخرى، قرب الميكروفون المثبت في سترته من فمه وأخذ يصيح:
- "إيه اللي حصل؟؟ حد يرد عليا يفهمني إيه اللي حصل؟!"
لكن لم يجبه أحد، بدأ التوتر يسري في جسده، فحمل حقيبته على ظهره وقبل أن يغادر الغرفة فكر أن يترك فيها علامة، أخرج سكيناً من حقيبته وحفر على الأريكة أول حرف من اسمه وبجواره رقم 1 لأنها أول غرفه صادفها في طريقه، ثم سارع بالسير وهو يمسك بقلمه متابعاً رسم الممرات التي يسير فيها، وقد بدأ الظلام يحل وهو ينذر بليلةٍ موحشةٍ للغاية، خطر بباله تلك الفتاة نورسين ترى كيف تتدبر أمورها بداخل تلك المتاهة؟!...
 
تلقت نورسين إشارة البدء وانطلقت عبر مدخل رقم (3) وهي تغالب دقات قلبها التي تتواثب من فرط التوتر، بدأت تسير في ممرات المتاهة بخطوات متعجله، بعد فترةٍ قصيره من السير المتواصل، أدركت استحالة تحديد الاتجاهات إذا استمرت في السير بتلك الطريقة العشوائية، ففكرت أن تجد طريقه لترتفع قليلاً إلى الأعلى لترى القصر حتى تتمكن من تحديد موقعها منه، لكن كيف ستراه وهي محاطة بتلك الجدران العالية؟!
 اقتربت من جدار المتاهة ومدت يدها وسط النباتات التي تغطيه وأخذت تبحث عن أية نتوءات في الجدار قد تساعدها على تسلقه، بالفعل وجدت بعض النتوءات الصغيرة تكفي لوضع قدميها عليها وحاولت الصعود لكنها سقطت على الأرض أعادت المحاولة أكثر من مرة دون جدوى، فاستسلمت وتابعت السير لفتره طويله وهي تحاول تكرار محاولتها للصعود على معظم الجدران التي تمر بها وفي كل مرة تنتهي محاولتها بالسقوط أرضاً، حتى صادفت إحدى غرف الراحة أخيراً، تهللت أساريرها وهي تنظر إلى سقف الغرفة وقد اتخذت قرارها بالصعود عليه، كانت جدران الغرفة تختلف كثيراً عن جدران المتاهة، مبنيه من قطع حجريه كبيره حوافها غير مستويه مما سهل عليها تسلقها كثيراً، وصلت إلى الارتفاع المطلوب الذي يمكنها من رؤية الطرف العلوي من القصر بوضوح، شعرت بالإحباط كثيراً حينما أدركت أنه لا يزال بعيداً للغاية، تنهدت في ضيق ثم نزلت وقررت دخول الغرفة لترتاح قليلاً قبل أن تتابع السير...

داخل الاستراحة..
كانت أنظار جميع المشرفين تتابع عن كثب متسابق رقم (6) الذي يتقدم على الجميع بشكلٍ ملحوظ، حتى أنه اقترب من القصر كثيراً، لكنه لم يكد يخطو بضع خطواتٍ أخرى حتى اتسعت أعين الجميع في ذعر وتلك الصرخة المدوية يتردد صداها في آذانهم وهم يتابعون ذلك المشهد المفاجئ والمفزع إلى أقصى حد