القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

المتاهه_الجزء الرابع

✍️ فاطمه محمد

سار عمرو برفقة نورسين وهما يتباحثان في تلك الممرات التي يسلكانها وقد نجحا في العثور على عدة جدران متحركة والمرور منها نحو ممرات جديده، وهو لا يزال يرسم كل تفاصيل الطريق الذي يسير فيه، مضى الوقت سريعاً حتى وصلا إلى غرفة استراحة أخيراً، أخبرها عمرو أن تدخل لتأخذ قسطاً من الراحة وسينتظرها هو بالخارج حتى تستيقظ ثم يتابعان السير، شكرته كثيراً ودخلت إلى الغرفة، أنزل عمرو حقيبته ووضعها على الأرض وقبل أن يجلس ليرتاح خلع صوت صراخها قلبه، لم يكد يخطو خطوة واحده حتى وجدها تخرج من الغرفة راكضة وهي تبكي وتصرخ وتغمغم بكلماتٍ غير مفهومه، سار باتجاه الغرفة ودخل في حذر ليتجمد مكانه من هول ما رأى!
 فأمامه على الأريكة جثة أحد المتسابقين وقد التف حول عنقه ثعبان وتجمعت على جسده عشرات الحشرات، خرج عمرو من الغرفة مسرعاً ودون أن ينطق بحرف جذب نورسين من ذراعها محاولاً انتزاعها من حالة الصدمة التي تعتريها وقد تجمدت في مكانها، فصرخ فيها قائلاً:
- "لازم نتحرك بسرعه!"
وسارع بالسير في عصبيه وهو يصرخ في الميكروفون مخاطباً ياسر:
- " إنتو فين؟؟ وازاي ساكتين عاللي بيحصل ده؟ حمايتنا مسئوليتكم! أنا منسحب من المسابقه دي، واتفضلوا دلوقتي حالاً خرجوني أنا ونورسين من هنا!"
تعجب كثيراً لنبرة اللامبالاة التي أجابه بها ياسر قائلاً:
- " كل واحد مسئول عن نفسه وقِبِل بإراتده يدخل المتاهه، دا غير إن مفيش انسحاب ومفيش طريقه أقدر أخرجكم بيها، ولو حاولت ترجع من نفس الطريق اللي دخلت منه، صدقني هتتوه وهتاخد ضعف الوقت، إنت ماشي كويس جداً واللي قدامك مش كتير لو عاوز تخرج بسرعه يبقى كمل طريقك واخرج من المخرج اللي جوه القصر ، وده الاختيار الوحيد اللي قدامك!"
صرخ عمرو في انفعال وقد شعر أن ما يحدث أصبح مريب للغاية:
- " مش هتقدروا تجبرونا نكمل وهخرج يعني هخرج!"
ثم التفت في عصبيه نحو الخلف فلمح ظل شخص يراقبه من خلف جدار المتاهة سارع بالاختباء على الفور، لم ينتظر عمرو ثانية واحده وانطلق راكضاً خلفه بأقصى سرعته قبل أن يختفي بين الممرات، لم يعطه الفرصة للهروب وساعده في ذلك ضوء الشمس الذي ينير المكان فوصل إليه في دقائق، وانقض عليه بكل قوته وبكل ما يعتمل في نفسه من غضب، شعر بالحيرة لوهله عندما أدرك إنه ذلك المتسابق المريب الذي كان يراقبه طوال الوقت، ثم انهال على وجهه باللكمات وهو يصيح في انفعال:
- "إنتو مين بالظبط؟؟ وعاوزين مننا إيه؟؟!"
جاءته الإجابة من جهاز الاستقبال الخاص بحسام، وياسر يحاول تهدئته:
- " إهدى يا عمرو احنا مش عاوزين منك حاجه غير إنك تلاقي المخرج اللي جوه القصر، ومدير المسابقه ضاعف الجايزه ل 200,000 دولار، وإنت قربت توصل خلاص، وحسام كان ماشي وراك عشان يحميك لو حصل أي حاجه!"
- "كلامك مش منطقي ومش مقنع، الموضوع فيه سر ومش هكمل إلا لما أعرفه، وبعدين اشمعنى أنا اللي عاوزين تحموني، وليه ما حميتوش الشاب المسكين اللي مات بسببكم؟؟!!"
لم يجبه ياسر هذه المرة فتابع ضغطه على عنق حسام حتى صرخ قائلاً:
- "سيبني وأنا هفهمك!"
حدق فيه عمرو محاولاً التقاط أنفاسه والسيطرة على انفعاله، ثم تركه فاعتدل حسام وخلع خوذته وأمسك بجهاز الاستقبال ثم ألقى به بعيداً غير مكترثاً بصراخ ياسر، وخلع سترته المثبت بها الميكروفون وألقى بها هي الأخرى، فهم عمرو ما يحاول فعله فقام هو الآخر بخلع سترته وخوذته وألقى بهما، ثم سارا معاً حتى ابتعدا مسافة كافيه، سأله عمرو مستفهماً:
- "أنا شوفتك فين قبل كده؟!"
- " كنت معاك في الكلية، وعارف كويس قد إيه إنت ذكي وطول عمرك شاطر وأول دفعتك، واسمك محفور فدماغي من ساعة ما اتخرجنا من تلات سنين، عشان كده لما مستر آدم طلب ناس مميزين إنت أول واحد خطر في بالي، وقولتله إن إنت اللي هتعرف سر المتاهة دي وهتوصل للمخرج، وهو قدر باتصالاته يجيب معلومات عنك ويوصل لرقم تليفونك"
رفع عمرو حاجبيه في ذهول قائلاً:
- " يعني إيه أنا مش فاهم حاجه وإيه سر المتاهة ده؟؟ يعني دي مش مسابقة؟!"
- "لأ دي مش مسابقة! الموضوع أكبر من كده بكتير وفكرة المسابقة كانت مجرد وسيلة عشان تقبلوا تيجوا هنا وتدخلوا المتاهة!"
ظل عمرو محدقاً فيه وهو غير قادر على استيعاب ما يسمعه، فاستطرد حسام قائلاً:
- " المتاهة دي قديمة جداً بناها واحد يوناني هي والقصر بتاعها، كان وجود المتاهة حوالين القصر في الأول بغرض التسلية، وبعدين اشتراها منه راجل مصري غني جداً اسمه "نِزَار" باشا عجبته جداً فكرة المتاهة اللي حوالين القصر وحب يضمه لممتلكاته بس ما سكنش فيه،  كان عنده ابن وحيد اسمه "سعد" ، سعد اتجوز بنت أجنبيه غصب عن أبوه واضطر نزار باشا يقبل بيها عشان خاطر ابنه وخصوصاً بعد ما بقت حامل في حفيده مع إنه مكانش بيطيقها، وقبل ما تولد سعد مات، نزار كرهها أكتر وهي كمان كرهته جدا، لكن قرر يصبر عليها لحد ما تجيبله حفيده وبعدين يخلص منها، لكن هي طلعت أذكى منه وقدرت تاخد ابنها أول ما اتولد وطلعتله شهادة ميلاد وهربت على بلدها بعد ما لجئت لحماية سفارتها، نزار حاول المستحيل يوصلها بأي طريقه عشان يرجع حفيده معرفش وما شافوش تاني خالص، بعدها اكتئب وكره حياته وباع كل أملاكه ما عدا القصر ده وقرر يعيش فيه اللي باقي من عمره، ما كانش ليه حد يورثه غير آدم حفيده، فضل عايش في القصر ده سنين طويله هو وعم إدريس اللي كان بيخدمه وكان بيحبه زي أخوه، ما حدش يعرف عنه حاجه لحد ما مات وعم إدريس بلغ سفارة البلد اللي أم آدم منها على عنوان أهلها عشان يبلغوها تيجي تستلم الورث وبعدين اختفى، وفعلاً جت هي وآدم وهما مستنيين ياخدو فلوس وأملاك ملهاش عدد، آدم وأمه وصلوا مصر وكلموا محامي نزار باشا عشان يستلموا الورث، المحامي اتفاجيء لما لقى آدم بيعرف يتكلم مصري بدرجه معقوله جدا، أمه علمتهاله من الفتره اللي عاشتها هنا كنوع من إحياء ذكرى أبوه اللي عمره ما شافه، وده سهل عليه جدا يفهم تفاصيل كتير قالهاله محامي نزار باشا، أهمها كانت المعلومه الصادمة لما المحامي قالهم إن الورث هو القصر ده بس وإن كل فلوس نزار باشا من بيع أملاكه مخبيها جواه، وعشان كده فضل سنين يغير في تصميم المتاهه الي حوالين القصر عشان تكون وسيله لحمايته من أي حد يحاول يدخل القصر ويسرقه، وصفلهم المتاهة زي ما عم إدريس وصفهاله، وقالهم إن في مخرج من جوه القصر كان نزار باشا بيستخدمه للخروج والدخول من غير ما يعدي عالمتاهه، لكن محدش يعرف مكانه غيره والوصول ليه مستحيل، والطريقه تانيه لدخول القصر من طريق جوه المتاهه.
 
آدم في الأول فرح أما عرف إن كل فلوس جده جوه القصر وافتكر إنه بيصعب عليه شويه يوصلها عشان زعلان منه، لكن أما شاف شكل المتاهه اتصدم، حاول يوصل للمدخل اللي بيوصل عالقصر علطول، وعين فريق مخصوص عشان يلاقوا طريقه يوصلوا بيها للقصر، كنت أنا وياسر من ضمن الفريق ده، آدم ارتاح لياسر جداً وحكاله على حكايته وحكاية جده كلها ،حاولنا نلاقي مدخل الطريق اللي بيوصل للقصر من غير ما يعدي عالمتاهه لكن مقدرناش أبداً ، فقررنا نجرب الطريق التاني اللي من جوه المتاهة، آدم طلب من ياسر يفكر في طريقه يجرب بيها الست مداخل في نفس الوقت، فياسر اقترح عليه فكرة المسابقة ويكون المشتركين ناس مميزه وعلى قدر كبير من الذكاء، حكالي كل حاجه وطلب مني أدور معاه على خمسه وأكون أنا السادس عشان يبقى حد مننا جوه، وإنت أول واحد جه فبالي، كنت براهن عليك إنك إنت اللي هتلاقي الطريق اللي يوصل للقصر، مستر آدم قدر يعرف عنك معلومات كتير وكان منبهر بمدى ذكاءك ومهتم جداً بوجودك معانا، لدرجة إنه قرر المسابقه متبتديش إلا لو إنت وافقت وجيت، ولو كنت رفضت كان أجل كل حاجه ودور على طريقه يقنعك بيها لحد ما توافق، وطلب من ياسر إني أفضل وراك لسببين الأول إني أحميك، والتاني إنه خايف منك لتوصل للفلوس اللي في القصر قبله واللي ما حدش يعرف لحد دلوقتي هي كام أو موجوده فين، الذكاء الزياده بيخوف برضه! فبعد ما كان المفروض أدخل أنا من مدخل (1) طلب من ياسر يدخلني من مدخل (2) عشان أفضل قريب منك!" 

ساد الصمت بينهما لبرهه وعمرو يحاول استيعاب ما سمعه، ثم قال متعجباً:
- " برضه مش قادر أفهم ليه موضوع المسابقة ده؟ كان ممكن تجيبوا ناس توظفوهم بمبالغ محترمه وييبقوا عارفين إن مهمتهم يدوروا على مدخل القصر بدل ما تلعبوا بأحلام شباب وتوهموهم بالفلوس والشهرة، وتعرضوا حياتهم للخطر من غير مقابل كمان!"
ارتبك حسام قليلاً وهو يجيب:
- "ما كانش ينفع حد يعرف سر المتاهه! دي كانت أأمن طريقه توصلنا لطريق القصر من غير الدخول في تفاصيل"
ثم ازرد ريقه في صعوبة وهو يتابع:
- "أما تعريض حياة المتسابقين للخطر فأحلفلك محدش فينا يعرف إيه اللي جوه المتاهه، ومستر آدم كان جاد جداً في تسليم الجايزه للي هيوصل للقصر مكانش بيضحك عليكم"
- "كان ممكن حد غيري هو اللي يوصل للقصر الأول وخصوصاً إنهم كلهم مميزين زي ما إنت قولت، وساعتها كان نفس خطر إنه يلاقي الفلوس وهو بيدور عالمخرج هيفضل موجود، إشمعنى أنا بالذات اللي قررتم تراقبوني؟! ومش بس كده ده إنتو كمان خاطرتم بإنكم تسيبوا مدخل (1) فاضي؟ مش يمكن كان هو اللي بيوصل للقصر؟!"
ابتسم حسام قائلاً:
- "مش بقولك الذكاء الزياده مضر! مستر آدم حاول بنفسه الدخول من مدخل (1) في الأول وكان معاه الفريق اللي عينه منهم أنا وياسر، وفضلنا نلف ونرجع لنفس المكان كذا مره لحد ما يئسنا وخرجنا من المدخل اللي دخلنا منه بالعافيه، عشان كده مستر آدم شاف إن مراقبتي ليك أهم من دخول مدخل (1) تاني وإعادة تجربه في الغالب نتيجتها معروفه، أما إن حد غيرك يوصل للقصر فده احتمال وارد أكيد لكن اهتمام مستر آدم بيك إنت بالذات أكتر من الباقي وعشان كده خوفه منك برضه كان أكتر"
قال عمرو في عصبيه:
- " طب واللي معرفوش يوصلوا كنتو هتسيبوهم جوه المتاهه لحد إمتى؟!"
- "كل متسابق جهاز الاستقبال اللي معاه بيحدد مكانه كمان، مستر آدم كان ناوي إن لما واحد يوصل لطريق الخروج اللي في القصر، يبدأ يدخل المشرفين من كل مدخل عشان يخرجوهم واحد واحد من نفس المدخل"
تنهد عمرو في ضيق ثم اتجه نحو سترته التي ألقاها بعيداً وأمسك بالميكروفون وقال بعصبيه مخاطباً ياسر:
" اسمع! من اللحظه دي أنا اللي هقرر هنعمل إيه، أول حاجه هندور على باقي المتسابقين عشان محد ش تاني يجراله حاجه، وهنوصل للقصر كلنا مع بعض وهنخرج منه سوا، وإنت هتساعدنا يإما هخرج من نفس الطريق اللي دخلت منه وأمشي"
رد ياسر مسرعاً:
- "لأ تمشي ده إيه! تمام كل اللي هتقوله هنفذه عاوزني أساعدك إزاي؟"
- " هتوصلنا لأماكن المتسابقين من مواقعهم اللي ظاهره عندك، وأما نتجمع كلنا هنبقى ندور على طريق القصر، وبلغ مستر آدم كل متسابق ليه 100،000 دولار تعويض عن الخطر اللي عرضتوه ليه وكذبكم عليه وزيهم لأسرة الشاب اللي اتوفى"
- " حاضر يا عمرو هبلغه بكل اللي إنت قولته وأرد عليك"
ارتدى عمرو خوذته وسترته، واتجه عائداً إلى نورسين التي تركها وهو يركض خلف حسام الذي رافقه في صمت، ارتعدت أوصاله حينما وقعت عيناه على جهاز الاستقبال الخاص بها ملقى على الأرض، بينما لم يعثر لها على أي أثر!!!