القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

كفر ابو شامه_(الجزء الرابع والاخير)

كتبت: فاطمه محمد

ظل إياد غارق في تفكير عميق يحاول تصديق ما أخبره به صالح وإيجاد طريقه للخروج من تلك المصيبه، ثم اعتدل واقفاً وقال في إصرار:
- " مش هسيبها تأذي ساره أنا رايحلها واللي يحصل يحصل"
انتفض صالح في فزع وصاح قائلاً:
- "إوعى تعمل كده! إنت ما تعرفش نادره! ما فيش حاجه بتغضبها أكتر من إن حد يعصي أوامرها، لو عملت كده هتموت مراتك قدام عينك في ساعتها، هي دلوقتي لسه بتحضر في الطقوس بتاعتها قدامها ليله كمان قبل ما تخلص، بلاش تعجل بموتها!"
وضع إياد يديه على رأسه في حيره وقد استبد به الخوف والألم على ما ينتظرهما في ذلك المكان العجيب، ثم قال في يأس:
- " مش هسيبها تموت أكيد في حل، فكر معايا يا صالح أكيد في حل!"
أطرق صالح رأسه في أسف دون أن ينطق بحرف، ثم استدارا فجأةً في دهشه نحو باب المنزل، مع تلك العبارة التي اخترقت آذانهما:
- " أنا عندي الحل!!"

ارتعدت ساره في فزع وهي تراقب نادره جالسة على الأرض منهمكة في كتابة طلاسم غير مفهومه، وتغمغم بصوت خشن ليس صوتها وذلك القط الأسود، يتحرك حولها بشكل نمطي وكأنه يرسم شكلاً محدداً وهي تتبعه بالكتابه، تراجعت ساره إلى الخلف وجلست على الأرض ثم أطلقت العنان لدموعها، وهي تستشعر خطر كبير لا تفهم تحديداً ما هو لكنها على يقين بأنه يقترب، فكرت في محاولة إيجاد طريقه للهروب، تحركت ببطء نحو زاوية الغرفه حتى تبتعد عن بابها قدر المستطاع، ثم أخرجت هاتفها وأضاءت كشافه وأخذت تديره حولها لعلها تجد شيئاً يساعدها على الهرب، لم يكن بالغرفة أية نوافذ، أدارت الكشاف نحو الجهة الأخرى فرأت الجسم الصلب الذي ارتطم به رأسها وكان طرف صندوق حديدي متوسط الحجم يظهر من تحت سرير خشبي، أغلقت الكشاف وزحفت على الأرض باتجاه الصندوق حتى لا تثير انتباه نادره، جلست بجوار طرف الصندوق وقامت برفعه بكل قوتها وهي تحركه إلى الخارج، لم يكن ثقيل الوزن كما توقعت، مما سهل عليها حمله وإخراجه من تحت السرير، حملته نحو الجهة الأخرى من الغرفه لتبتعد عن مدخلها، ثم فتحته وأضاءت كشاف هاتفها لترى ما بداخله، وجدت شيئاً ملفوفاً في قطعة من القماش، أمسكت به وأخرجته من الصندوق ثم فكت القماش من حوله، لتجد مكعباً خشبياً محفور عليه كتابات لم تر مثلها من قبل، مدت يدها لتمسكه لكنها ارتعدت في فزع حينما وجدت ذلك القط الأسود يقف أمامها مباشرةً يحدق فيها ونادره تقف خلفه والشرر يتطاير من عينيها.......

 ظل إياد وصالح يتابعان سراج وهو يغلق باب المنزل ويقترب منهما قائلاً:
- " بقالي سنين مستني اليوم اللي نخلص فيه من نادره واللي معاها، بس خوفي منها كان دايماً بيخليني أأجل أي خطوه ممكن أعملها، لكن من ساعة ما شوفتك إنت ومراتك وأنا عرفت نادره هتعمل فيكم إيه، وصعبتو عليا لدرجة إني قررت أساعدكم مهما كان التمن!"
نظر إليه إياد في امتنان قائلاً:
- " أرجوك تساعدنا يا حج سراج وأوعدك هعمل كل اللي هتطلبه مني، بس ما متسبش ساره تموت!"
فاجأهما بقوله:
- "انا عارف مكان حسن!"
اتسعت عينا صالح وانتفض واقفاً وهو يصيح قائلاً:
- " معقول يا عمي؟! ومقولتليش ليه؟؟ مستني إيه؟؟ حرام عليك أنا تعبت من العيشه دي ويئست من إني ألاقي طريقه تخلصنا من الذل ده، دا أنا فكرت أموت نفسي أكتر من مره بس ما قدرتش!"
- " غصب عني يا صالح، في كل مره كانت بتديني فيها الحجاب وبخرج من الكَفر كنت بفكر ما أرجعش تاني، ما كانش في حاجه بترجعني غير خوفي عليك، من فتره وأنا بجيب الطلبات من البلد لمحت حسن، في الأول فكرت أجري عليه وأكلمه بس خوفت تكون نادره مخليه خادمها يراقبني، فضلت ماشي وراه في السوق عامل نفسي بشتري حاجات لحد ما عرفت إنه بيتاجر في القماش، فضلت أتحرك قدامه لحد ما اتأكدت إنه شافني وعرفني، وروحت ماشي علطول وهو فضل ماشي ورايا لحد ما دخلت الكفر، وبقيت أعمل كده كل ما أروح وهو ييجي ورايا وطبعاً مبيقدرش يدخل، أنا متأكد إنه بيحاول يلاقي طريقه عشان يدخل الكَفر وأنا عندي الحل، آخر مره خرجت فيها من الكفر ما رجعتش لنادره الحجاب زي كل مره، هي ما طلبتوش وانشغلت في الحاجات اللي كنت جايبها وأنا لقيتها فرصه أسيبه معايا، أنا ممكن أخرج من الكفر دلوقتي وأروح عالبلد أجيب حسن وبعدين أديله الحجاب وبكده هيقدر يدخل، قبل النهار ما يطلع هنكون هنا وإنتو خليكو جاهزين، أول ما حسن يدخل بيت نادره تدخلو وراه تخرجو مراتك، وهو أكيد هيلاقي طريقه يخلص عليها بيها أنا متأكد" 
 لم يبدو كلامه مضموناً إلى درجه كبيره لكن ليس أمامهم حل آخر، ثم همَّ سراج بمغادرة المنزل وقبل أن يخرج، سمعا صوت نادره تهدر في غضب، صاح صالح:
- " أكيد في مصيبه!"
ثم قال لإياد متوسلاً:
- "خليك هنا واحنا هنروح نشوف في إيه وما تخافش مش هسيبها تأذي مراتك"
قال سراج :
- "أنا هخرج دلوقتي حالاً مفيش وقت نضيعه"
وقف صالح يتابعه بعينه بعدما أخذ أصيل وغادر مسرعا حتى تأكد من خروجه، ثم دخل إلى منزل نادره، ليتجمد في مكانه فكان ما يراه أمامه هو آخر شيء خطر بباله على الإطلاق!!!

لم يكد سراج يخطو خارج الكفر بضع خطوات حتى ارتجف في فزع حينما سمع صوتا يأتي من خلفه قائلا:
 "عم سراج....استنى!!!!"

كانت ساره ترتعد خوفاً وهي ترى أمامها ذلك القط الأسود وخلفه نادره التي تستشيط غضباً، ثم صرخت في فزع حينما تحرك القط نحوها، لكنها ما لبثت أن حدقت فيه بدهشه عندما وجدته يقف بجوارها وينظر إلى نادره التي جن جنونها وهمت بالانقضاض على ساره فصرخت الأخيرة قائلةً:
- " حرام عليكي ابعدي عني!!" في تلك اللحظة تجمدت نادره مكانها ولم تستطع التحرك خطوةً واحدةً إلى الأمام، فصرخت في غضب وهي تنظر إلى القط الأسود وتهمهم بكلمات غير مفهومه، كانت تحاول استعادة سيطرتها عليه، لكن بلا جدوى فالمكعب الخشبي أصبح بحوزة ساره!
 في تلك الأثناء وصل صالح الذي ذهل مما رآه، صاحت فيه نادره ليحضر لها المكعب من ساره، لكنه نظر إليها بتحدي ولم يتحرك من مكانه، لم تتمكن نادره من استيعاب ما يجري فاستدارت نحوه وهمت بضربه لكنه أفلت منها فجن جنونها أكثر، ألقت بالكرسي الخشبي عليه فارتطم به في قوه وأسقطه أرضاً، استغلت ساره فرصة اشتباكها مع صالح، واتجهت راكضة نحو باب المنزل وهي لا تزال تمسك بقطعة القماش التي بداخلها المكعب الخشبي، ركضت خلفها نادره وجذبتها من ملابسها وهي تمد يدها محاولة أخذه منها، اعتدل صالح بسرعه وركض خلفها ليمنعها من استعادته فما يحدث هو فرصة لن تتكرر قد انتظرها لسنوات، لكنه تجمد مكانه عندما وجدها توقفت فجأة وجعلت تتراجع إلى الخلف في فزع، وأمام أعينهم يقف حسن يضحك في ظفر، ثم جذب قطعة القماش من يد ساره بسرعه ودفعها إلى الخارج لتجد إياد أمامها فخوفه عليها لم يمكنه من المكوث في منزل صالح أكثر من ذلك، ركضت نحوه تعانقه في سعادة والدموع تغرق وجهها، وهو يحاول تهدئتها رغم الخوف الذي يجتاحه مما هو قادم!
 في تلك الأثناء.....
 أشار حسن إلى صالح قائلا:
"أخرج بسرعه يا صالح وما تجيش هنا تاني مهما حصل!"
ركض صالح نحو الخارج ثم طلب من ساره وإياد أن يتبعانه بسرعه ليبتعدوا عن منزل نادره فلا أحد يعلم ما الذي سيحدث الآن، وقد بدأ صالح يروي لإياد ما حدث..

 التفت حسن نحو نادره التي كانت تنظر إلى المكعب الخشبي في يده وعلامات الذعر تغزو وجهها وقد أيقنت انها نهايتها لا محاله، حدق فيها حسن قائلاً:
- " أخيراً جه اليوم اللي مستنيه بقالي سنين"
ثم صاح مخاطباً القط الأسود وهو يشير نحوها:
- "موتها!"
صرخت نادره وهي تتراجع إلى الخلف في ذعر وتغمغم في يأس مخاطبة القط الأسود الذي كان يركض نحوها بلا توقف، لكنها تعثرت في بقايا الكرسي المكسور وسقطت على الأرض، قفز القط الأسود فوقها وغرس مخالبه في عنقها حتى فارقت الحياة، في تلك الأثناء استغل حسن فرصة انشغال القط بمهاجمة نادره وركض نحو المصباح ثم أفرغ الجاز منه على المكعب الخشبي وأشعل عود ثقاب ثم قذفه عليه فاشتعل في الحال، تصاعدت ألسنة اللهب من المكعب وهي تلتهمه في نهم ودخان أسود ذو رائحه كريهه يخرج بكثافة من الكتابات التي عليه وهي تتلاشي أمام عينيه، ارتعدت أوصال حسن عندما وجد القط الأسود يلتفت نحوه ويحدق فيه على نحو مفزع ثم ركض مسرعا باتجاهه محاولا الانقضاض عليه، أمسك حسن بقطعة خشب من بقايا الكرسي المكسور استعدادا للتصدي لهجومه، لكن القط الأسود توقف فجأة وأطلق صرخةً مدويه ثم بدأ جسده يشتعل وذات الدخان الأسود يخرج منه بكثافه حتى تلاشي تماما، لم تمض بضع دقائق حتى تحول إلى كومة من الرماد......

لم يصدق صالح نفسه وهو يخطو خارج الكفر للمرة الأولى منذ سنوات، ركض نحو عمه سراج الذي كان يقف بعيداً يبكي غير مصدقاً لعينيه، عانقه صالح بقوة، ثم قال مندهشاً:
- "بس أنا مش فاهم إنت إزاي جبت حسن بالسرعه دي؟"
- " أنا ما جبتوش أنا خرجت لقيته بيلف حوالين الكفر"
قال حسن القادم من خلفهما:
- " من ساعة ما شوفت عم سراج في السوق وأنا بفكر في طريقه أدخل بيها الكفر، وبقيت كل فتره والتانيه آجي المنطقه هنا وأراقبها شويه يمكن أوصل لحاجه، ما صدقتش عنيا أما جيت انهارده وشوفت الكفر من بعيد لأول مره، وشوفت اتنين داخلينه، نور الكشاف اللي معاهم كان مبينهم، فضلت أجري عليه وقبل ما أوصل بخطوات اختفى تاني، كنت متأكد إن نادره دافنه سحرها حواليه، فضلت أحفر في الأرض يمكن أقدر ألاقيه وأبطله، والوقت خدني لحد ما شوفت عم سراج ماشي الناحيه التانيه، جريت وراه، ومصدقتش نفسي أما إداني الحجاب"
عقب إياد على كلامه قائلاً:
- "ياريتك لحقتنا قبل ما ندخل ما كنتش عارف تجري بسرعه شويه"
تبادل الجميع الضحكات، ثم اتجهوا معاً نحو سيارة إياد، ساعده حسن على تشغيلها، لم تصدق ساره أذنيها وهي تسمع صوت الموتور يدور، تساقطت دموع الفرحة على وجنتيها ولسانها لا ينفك عن حمد الله، كانت سيارة حسن لا تبعد كثيراً عنهما، فأخبر إياد أن يتبعه ليدله على الطريق بعد أن ركب معه سراج وصالح.
تنفس إياد الصعداء وهو يسير على الطريق الصحيح أخيراً واللافتات تظهر أمامه و السيارات تمر بجواره، التفت نحو ساره في غيظ قائلاً:
- "عارفه يا ساره لو نسيتي الباور بانك واحنا مسافرين تاني....هقتلك!!!!"