كتب: عبدالله محمد الحاج
الساعة الحادية عشر ليلا، وأنا هنا متكئ على النافذة المحاذية لي في هذا الباص المسرع، المشحون بالنعسى الجاثمين على مقاعدهم مستسلمين للوقت والطريق. نعبر معا هذا الفضاء المظلم.. وأنا أعبر روحي.
إن السفر خارج الوطن والبعد عنه يصقل الهوية
ويساعد في تعزيز الوطنية في نفوسنا، لكن الذي يعمق الانتماء حقا هو السفر داخل الوطن نفسه.
إن استقلال سيارة والتحرك على طريق “الأمل" بين أي نقطتين داخل ربوع الوطن، يعطيك شعورا حقيقيا بموريتانيا المكان.. صورة بانورامية حية لما يمكن أن يسمى بالوجود المادي لهذا الوطن. وسواء أكان ذلك بين جبال لعصابة أو فوق أعلاب بوتلميت أم إلى جانب اكديات اردبانه أم عند كدية جوك أم بالقرب من سهول شمامه؛ يظل هنالك شعور بالألفة والارتباط لا ينفك مستمرا ويتجدد.
إنني أدرك تماما بأن هذه الإحداثيات الجغرافية لا تمثل في الواقع سوى تغايرات لسطح الأرض، مجرد اختلافات لمظاهر الجيولوجية، لكنها في الحقيقة تعكس دلالة معنوية لكل من أدرك الوحدة العضوية لهذه الربوع ولمن يعيش عليها ويهوى اختلافاتها.
إن السفر ليلا هو تجربة توقف للشعور بتدفق الزمن؛ حيث نغوص في أبدية الطريق اللانهائي، في حركة متسارعة ولازمانية حتى نصل فجأة للمحطة ويتوقف الحلم.
السفر أيضا هو وسيلتي لإيقاف الوقت قليلا والإنصات لما هو أعجم وبعيد في أعماقي؛ حيث لا وقت للكلام ولا لغة للنطق.
نافذتي المسكينة لا تستطيع ردع رياح دلتا النيل القارسة.. ربما هذا البرد أيضا هو الذي يحفزني لأكتب. أو بالأحرى، يخدر جسمي الحسي ويوقظ شعوري الوجداني.
من موقعي اللازماني هذا ومن خلف زجاج نافذتي المرتجفة، أرقب بصيص أعمدة النور البعيد فوق المزارع، يغشاها ضباب شفيف وهي تتحرك في سديم الليل المظلم، تبتعد وتتوارى ليأكلها الظلام والفراغ.
يخيل إلي أحيانا أنني أحلق فوق تلك السهول الممتدة هناك خلف المزارع.. استشعر اتساعها المخيف وهدوءها المظلم وكأن حافة العالم وراءها، حيث تعزف الغربان السود سمفونية العدم والوحشة المقفرة. يذكرني ذلك السكون بالطفولة وليالي الشتاء الهانئة في بوادي موريتانيا.
لا شيء أقسى من البرد المظلم.. والوحدة.
أسافر الليلة وحدي، أجلس بين هذه الوجوه التي لا تفهمنى، ولا تستوعب من شكلي سوى قبعتي الغريبة وسحنتي الأجنبية ولباقتي المتحفظة. أبدو غريبا كيتيم تائه.. يتيم مرمي على الجانب الآخر من شمال أفريقيا، محملا بالذكريات والأحلام، وبعض الخيبات والأحزان الدفينة.. والوحدة.
أسافر وحدي -عمليا على الأقل- تتقاذفني المدن على هذه الأرض البعيدة عن وطني والتي لا تشبه أرضي، في رحلة طويلة لا تستوعبها روحي البدوية البسيطة؛ تلك الروح التي ترعرعت بين أمطار الخريف وجني ثمار النبق في الشتاء، بعيدا عن هذا المناخ المتوسطي المعقد.
إن علاقتنا الوجدانية كموريتانيين بالنخيل وأشجار السدر والطلح وتيشط وتورجه و أيزن، تختلف تماما عن علاقتنا بأشجار الليمون وبساتين الرمان والبرتقال وثمار التوت والعنب. وأنا على يقين بأن الأجيال التي تعرضت للتحول القسري والمفاجئ من البيئة البدوية إلى حياة الحضر لتفهم جيدا ما أقصد؛ وعند استذكار الطفولة قد تستحضر شعور العلاقة بالطبيعة بخصوصيتها الموريتانية.
على طول طريق الأمل من أقصى نقطة في ولاية الحوض الشرقي حتى صيدلية كرفور عند ملتقى طرق مدريد وسط العاصمة انواكشوط، يستطيع المتأمل في الطريق أن يلمس الطابع المعماري المتقارب للمحلات التجارية على جنبات الطريق ومآذن المساجد ونمط البناء المتميز في مختلف مدن البلاد على طول هذه المسافة الشاسعة.. كما يستطيع المتأمل ملاحظة الخصوصية الثقافية للانسان الموريتاني وانتظامها في نسق متصل.. تشابه وانسجام ونسقية في كل شيء على هذه الأرض.. تقريبا!
إلا أن انواكشوط تختلف قليلا وربما كثيرا عن هذا النسق؛ إذ لا هوية بصرية حضارية محددة لهذه المدينة.. كما أنه أيضا ليست هناك محددات ثقافية واضحة للإنسان النواكشوطي.
انواكشوط مدينة غارقة فيما يشبه الضياع، والإنسان انواكشوطي مشغول جدا بالفراغ.. ويعيش بشخصيتين أساسيتين؛ الأولى تطحن في عذابات النهار وطلب الرزق بكل ما يتخلل ذلك من تجاذبات بين التبدي ومحاولة التمدن، بين التعفف والخبث والترفع والحقارة. وأما الشخصية الثانية فتُبعث مساءا لتعيش الترف واللامبالاة، وتتغنى بالامجاد والمبادئ وبالمستوى المادي المزيف أو المبالغ فيه وتتناقض في كل شيء بدون تحرج. وهاتين الشخصيتين مشوهتان ثقافيا؛ فرغم أن الكل هنا -مثلا- يعشق اللغة العربية بطبعه إلا أنه لا أحد يفوت فرصة استخدام مصطلح فرنسي إن وجد.
إن الانسان النواكشوطي النموذجي حقيقة ورث الكثير من الشيم العربية البدوية والافريقية الكريمة، لكن هذه الشيم تاهت وتشوهت في خضم حياة المدينة المفتوحة المستقطبة للكل.
فأفواج الهاربين من الجفاف القادمين من أقاصي البلاد جاؤوا جميعا في سبعينيات القرن الماضي إلى هذه المدينة محملين بمخاييلهم الثقافية الجمعية، لينصهروا هنا، ويشكلوا بوتقة ديموغرافية معقدة.
واليوم أشعر أن الكل متذمر من هذه المدينة.. الكل يلعنها ويبدي رغبته في الذهاب بعيدا عنها. ذلك أنهم وجدانيا غرباء عنها، أو على الأقل هناك ما يشدهم خارجها. لكنهم حقيقةً -ولو لم يدركوا- سعيدون بها ولا يستطيعون العيش بعيدا عنها. فالانسان النواكشوطي حر نسبيا من الشروط الثقافية والاجتماعية ومن قيود الانتماءات، ويستطيع هنا أن يكون تقريبا أي شيء يريده.
أنا أيضا أشتاق إلى تلك الحالة من "التلقائية" اللامبالية في نواكشوط وفي أهلها، وأشعر بالحنين كلما أطلت الغياب. ورغم أنني اليوم أعيش في مدينة يقطنها أكبر عدد من حسناوات الوطن العربي، إلا أنه لا يبهجني حقا سوى مشهد عبث رياح البحر في أطراف ملاحف النواكشوطيات.
وفي نواكشوط، رغم العروبة الحاضرة دوما في لاوعي كل منا، ورغم التدين الأصيل، إلا أن الانتماء الحضاري حقيقةً هو مجرد أسطورة جميلة لا أحد هنا يتحدث عنها سوى مثقفي القومية العربية أو نظراءهم التقليديين من الجانب الآخر.
إننا هنا لا ننتمي إلا للبحر والصحراء.. ولتاريخ كتب -قطعا- خارج مدينة انواكشوط.