القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

الهروب ( الجزء الاول)


"الساعة 6 الصبح، أول يوم على طريق الحلم بعد ما انتصرت في معركتي ودخلت كلية إعلام في محافظه تانيه رغم الرفض القاطع من ماما في الأول، وكل دا عشان أحقق حلمي وأبقى صحفيه عظيمه و....."
- " ياللا يا زيينه أخوكي مستعجل يدوبك يلحق يوصلك المحطه قبل ما يروح شغله"
أغلقت زينه التسجيل الصوتي الذي كانت تسجل فيه أحداث اليوم الأول على طريق الحلم - كما كانت تسميه – وأسرعت بتعليق شنطتها على كتفها والخروج راكضةً من غرفتها وهي تصيح:
- " حاضر يا ماما أنا جاهزه"

وصلت إلى المحطة واستقلت القطار لتبدأ رحلتها التي سوف تستغرق نحو ساعتين، كانت الابتسامة تعلو وجهها وهي تتأمل في وجوه الطلبة الذين يملئون عربة القطار في يومهم الأول للعام الدراسي الجديد، يتبادلون الضحك والحديث، وهي تجلس وحيده لم تكون صداقات جديده بعد، فتتابع أحاديثهم تارةً و تنظر من نافذة القطار تارةً أخرى، مرّتَ ساعة كامله من زمن الرحلة وقد بدأت تشعر بالملل والنعاس، فأسندت رأسها على طرف النافذة المجاورة لها وهي تتابع بعينيها تلك المساحات الزراعية الشاسعة ولونها الأخضر الأخَّاذ، ثم تنبهت حواسها كلها دفعةً واحده واتسعت عيناها وهي تتابع ذلك المشهد المفزع الذي لمحته من بعيد وسط مساحات من الزرع بفضل المرتفع الذي كان يمر عليه القطار في تلك اللحظة، رجل كبير يضرب شاب على رأسه بمجرفه عدة ضربات متتاليه حتى سقط على الأرض والدم يغطي وجهه!!!!! 
أخرجت هاتفها المحمول على الفور وبدأت تسجيلاً صوتياً وهي تتجه مسرعةً نحو باب العربة لتنزل في المحطة التأليه والتي كانت بعد بضع دقائق، وهي تسجل ما يجري على هاتفها قائلةً:
" الساعه 7 ونص، شوفت راجل تخين وقصير، شعره خفيف لونه أسمر لابس قميص كحلي وبنطلون إسود، ملامحه ماكانتش باينه ، بيضرب شاب رفيع بمجرفه على راسه، كان مديني ضهره ملحقتش أشوفه كويسه لإنه وقع على الأرض بسرعه، وكان جمبهم أوضه من الطوب الأحمر، مش فاكره حاجه تانيه"
في تلك الأثناء توقف القطار وبدأ الناس في النزول، لتندس زينه وسط الزحام وتسارع بالنزول، ثم تتسلل بالعودة إلى ذلك المكان الذي شاهدت فيه الحادث.
لم يكن يبعد كثيراً عن محطة القطار، ظلت تركض وسط الزرع حتى لمحت تلك الغرفة من بعيد، فعلمت أنها قد وصلت، فتحت التسجيل وتابعت:
- " الساعة 8 إلا ربع وصلت لمسرح الجريمه بس مش شايفه حد عالأرض .."
قالتها وهي تقترب من المكان أكثر حتى توقفت فجأةً وهي تضرب رأسها بيدها قائلةً بانفعال:
- "الشنطه!!!!!"

قبل نحو ربع ساعة.....
كان مازن يجلس في القطار كعادته كل يوم في طريق ذهابه إلى العمل، يمسك بكتاب ليقرأ ويتسلى حتى لا يشعر بالملل من طول زمن الرحلة، لكن اليوم كان مختلفاً، فهو بداية العام الدراسي الجديد والعربة مزدحمة للغاية وأصوات الضحكات والحديث تضج بالمكان، أغلق كتابه وجعل يتابع ما يدور حوله، لفت انتباهه تلك الفتاة الجالسة أمامه وهي تهب واقفةً وعلى وجهها علامات الفزع وهي تتابع شيئاً من النافذة المجاورة لها، ثم تغادر مكانها راكضةً نحو باب العربة تاركةً حقيبتها على الكرسي، أخذ يناديها:
- "يا آنسه!!! شنطتك!!" 
لكن الزحام كان شديداً وهي تتحدث في هاتفها فلم تسمعه مطلقاً، فكر لثوانٍ أنه شأنها وليس له علاقه بالموضوع، حتى تخيلها وهي تبكي عندما تنتبه لنسيانها الحقيبة في القطار، وبالطبع لن يكون معها نقود للعودة، فرق لها قلبه وقرر اللحاق بها، فأخذ الحقيبة وانطلق راكضاً نحوها، لكن القطار كان قد توقف بالفعل وبدأ الركاب بالنزول وقد اختفت عن ناظريه وسط الزحام، تجمد مكانه وهو في حيرةٍ من أمره، لكنه اتخذ قراره باللحاق بها فنزل من القطار وأخذ يتلفت حوله باحثاً عنها حتى لمحها تركض بعيداً، تعجب كثيراً لأمرها، ثم أسرع محاولاً الوصول إليها..

- "في حاجه يا آنسه؟!"
قالها رجل ضخم لا تبدو ملامحه مريحه على الإطلاق خرج من إحدى الغرف الثلاث الواقعة خلف الغرفة التي لمحتها زينه من نافذة القطار، لم تكن زينه قد لاحظت وجود تلك الغرف من قبل، أجفلت حينما رأت ذلك الرجل يحدثها، وبحركة غريزيه أخفت هاتفها المحمول في جيبها مسرعةً، وأجابت الرجل بتلعثم وهي تتفحصه بارتياب:
- " أنا نزلت من القطر في محطه غلط ونسيت شنطتي و..."
قطعت حديثها فجأةً وشهقت في فزع عندما لاحظت بقعة الدم التي على الأرض، عادت إلى الوراء بضع خطوات، وقد زادت نظرات الرجل من روعها وقد تبدلت ملامح وجهه ليكسوها الغضب والشرر يتطاير من عينيه، ثم لاحظت تلك الإيماءة من رأسه ففهمت أن هناك أحد خلفها، لم يتسع لها الوقت لتلتفت وتتأكد بنفسها، فقد شعرت بتلك الضربة القوية تسحق رأسها وتفقدها وعيها في الحال.....

تجمد مروان في مكانه وهو يتابع ما يجري من بعيد، اختبأ بين الزرع الطويل وأخذ يقترب في حذر وعيناه مثبتتان على ذلك الرجل البدين الممسك بزينة الفاقدة للوعي ويحدث الرجل الآخر قائلاً:
- "طلعتلنا منين المصيبه دي كمان هنعمل إيه دلوقتي؟!"
- "ولا مصيبه ولا حاجه هي اللي جت برجليها وبتقول ناسيه شنطتها في القطر يعني ولا حد هيعرفلها طريق، اربطها وحطها جمب الواد اللي جوه لحد ما نشوف هنعمل إيه"
جرَّ الرجل زينه إلى إحدى الغرف، ومروان ساكن في مكانه وعقله لا يتوقف عن التفكير فيما يجب عليه فعله، انتظر قليلاً ثم قرر الدوران حول المكان ليصل إلى الغرفه من الاتجاه المقابل حتى لا يشعر به أحد، تحرك في خفه وساعدته كثافة الزرع الطويل من حوله حتى وصل إلى الجهة الأخرى من الغرف، شاهد الرجل البدين يخرج من إحداها فعرف أن زينه بالداخل، تقدم بضع خطوات لكنه توقف عندما رآه يعود مره أخرى ومعه حبل سميك، فهم أنه سوف يربطها، جلس مكانه وقد استبد به الخوف والحيرة فأخذ يغمغم:
- " أنا كان مالي ومال المصيبه دي، وإيه اللي جاب البنت دي لحد هنا؟ ونزلت من القطر تجري ليه؟ أنا مش فاهم حاجه!!!"
ثم خطر بباله أن يفتح شنطتها لعله يصل إلى شيء يفسر له ما يحدث، رفع حاجبيه من الدهشة وهو لا يرى في الشنطة سوى بضعة أقلام وكشكول باللون الوردي عليه ملصق مكتوب عليه:" الصحفية الشهيرة زينه" ابتسم رغماً عنه، وقد فهم أنها مجرد طالبه تبدو متحمسة بعض الشيء، وكيس به بعض السندويتشات.
بالطبع لم تساعده محتويات شنطة زينه على فهم شيء، فأغلقها وظلت عيناه مثبتة على باب الغرفة حتى خرج منها الرجل وأغلق بابها بالمفتاح ثم دخل إلى الغرفة المجاورة، بدأ مروان في التحرك باتجاهها رغم يقينه أنه لن يتمكن من فتح الباب فاتجه نحو شباك صغير في الناحية الخلفية من الغرفة، كان لحسن الحظ مفتوحاً فنظر منه لتتسع عيناه عن آخرهما فما رآه كان مفزعاً للغاية!!!!!!!!