وقف كريم بعد سماع جملة وائل الأخيرة جاحظ العينين، ثم انفعل قائلاً: إيه اللي إنت بتقوله ده؟ حاول وائل تهدئته مبادراً: اهدي بس يا كريم، قاطعه كريم بنبرة حادة: أهدى إيه؟ إنت عايز تطلعني مجنون عشان تشتغل؟ ثم شعر بيديه ترتعد وجسده ينتفض فأمسك بمزهرية موضوعة على المنضدة أمامه وقام برميها فارتطمت بأحد اللوحات الزجاجية فتحطمت وسقطت اللوحة وتناثرت أجزائها على الأرض، لفّ وائل من خلف المقعد وحاول امساك كريم لتهدئته ولكنه دفعه بقوة ثم خرج من العيادة مسرعاً ونزل الدرج. وضع وائل كفيه حول رأسه وهو ينظر للزجاج المتناثر في أرجاء المكان فهو لم يكن يعلم أن صديقه قد وصل لتلك الحالة، فأخرج هاتفه المحمول وقام بعمل اتصال.
خرج كريم من شقة والدته وهو يضع بعض الأشياء في جيبه، ثم خرج من العمارة وهو يشاور لأحدى سيارات الأجرة.
قامت لبنى بأخذ بعض الأدوية لتتم عملية اجهاض الجنين، تناولتها وهي تبكي بمرارة، فتساقطت دموعها على وجنتيها بغزارة وهي ممسكة ببطنها وكأنها تعتذر لطفلها على ما تفعله وتُخبره أن الأمر ليس بيديها.
في اليوم التالي:
استيقظت منة على صوت رنين الهاتف ورسائل كريم التي تخطت الخمسين رسالة، فقامت بالرد قائلة: إنت ما بتزهقش؟ ارتاح كريم بعد سماع صوتها فقال متنهداً: وأخيرا ردّت فيا الروح أنا ما نمتش امبارح يا منة، وواقف تحت البيت مستنيكى عشان نرجع بيتنا ومحضرك مفاجأة هتعجبك أوي، فقالت له منة بلامبالاة: طيب خليك شوية وبعدين اطلع عشان لسه مافوقتش وأنهت المكالمة. أزاحت الغطاء ومسحت بكفيها على وجهها ثم تذكرت موقف والدها من أفعالها مع كريم، والدها الذي كانت تكرهه منة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ولا تدري هل تكرهه لأنه كان يعاملها بقسوة في طفولتها أم لأنه كان من الطبقة الكادحة وعدم حصولها على الأموال دعلها عُرضة للتنمر في المدرسة ثم في الجامعة! فكان كل همها أن تمتلك الأموال لتُعوض كل ما نقصها في طفولتها وعلى الرغم من أنها وجدت كل ذلك وأكثر متمثلاً في كريم زوجها الذي يعشق التراب الذي تمشي عليه، إلا إنه لم يعد يستهويها البقاء معه ولا تدري لماذا، قطع شرودها طرق أمها على باب الغرفة قائلة: كريم برة.. فهزّت رأسها مردةة: طيب أنا خارجة.
*** أنهت منار عملها ثم قامت بالاتصال بصديقتها لبنى لتسألها عن سبب غيابها، ولكنها لم ترد، فشعرت بالقلق حيالها وقررت الذهاب لبيتها للاطمئنان عليها خاصةً أن لبنى ليست من الشخصيات التي تتغيب عن عملها إلا في الحالات الكارثية.
وضعت منة ساقٍ على الأخرى أمام كريم قائلة بتعالٍ: بس أنا عايزاك تكتبلي الشقة بإسمي، هو إنت مش قولتلي بعد الجواز عشان خاطر مامتك وبتاع، آدي مامتك سافرت خلاص مستني إيه؟ ابتسم كريم ثم ردّ بمنتهى العفوية: بس كدة؟ عيوني.. أردفت منة متهكمة: أنا عايزة الشقة مش عيونك، بعدها أخرج كريم علبة قطيفة صغيرة وأعطاها لمنة قائلاً بودٍ: شوفي الهدية دي هتعجبك أوي.. ألتقطتها منة بسرعة وقامت بفتحها لتجد خاتم ذهبي مرّصع بفصوص الماس. فرحت بالخاتم ولكنها لم تُبين فقامت بإغلاق العلبة قائلة: شكله قديم شوية بس شغّال.
سمعت لبنى رنين جرس باب الشقة، اتجهت لتفتح فوجدت منار صديقتها قائلة بابتسامة: مابترديش عليا ليه؟ سمحت لها لبنى بالدخول قائلة: اتفضل يا منار، معلش كنت تعبانه شوية، دخلت منار وهي تسألها: مالك؟ ألف سلامة عليكي ثم جلست وهي تنظر لوجهها الشاحب مستفهمة: ومال وِشك أصفر كدة ليه؟ في اللحظة التي خرج فيها حازم من غرفته وهو يصيح: فين الفطار؟ اندهشت منار من وجود حازم وهمست: إنتي مش قولتيلي إنه بيرجع متأخر من الشغل؟ فهمّت لبنى بالوقوف مُسرعة قائلة: ثواني ويكون جاهز.. فأمسكتها منار من ذراعها وقالت بغضب: إنتي تعبانة وشكلك... قاطعها صياح حازم مجدداً وهو يسب ويلعن لأنه لم يجد سجائر متبقية، فانفعل أمام منار وطلب من لبنى أن تذهب لتشتري له علبة سجائر، تعجبت منار من الطلب، ثم شعرت لبنى بغثيان وقبل أن تركض للحمام سقطت مغشياً عليها بعد أن نزفت وأغرقت دمائها الفراش والسجاد، ظل حازم واقفاً لم يتحرك، فصرخت منار في وجهه قائلة: إنت أتفضل واقف تتفرج عليها كدة؟ اطلب الإسعاف بسرعة.
في المساء
دخلت منار لعيادة وائل خطيبها وهي شاردة حزينة، رحّب بها وائل قائلاً: أهلاً أهلاً بالحبايب، جلست على المقعد وظلت صامتة، فعبس وائل وتعجب من صمتها فشاور بيده أمام وجهها قائلاً: ايه يا ستي إنتي فين باظبط؟ نظرت له منار ثم قالت: مفيش بس صاحبتي تعبانة شوية، ومتضايقة عشانها.. ثم انتبهت للوحة المُهشّمة، فسألته باستغراب: إيه ده؟ مش دي اللوحة اللي اشترناها مع بعض؟ ايه اللي كسرها كدة؟ نظر وائل للوحة وتنهّد ثم أردف: هاقولك يا ستي، فاكرة كريم اللي كنت حكيتلك عنه؟
خرجت لبنى من غرفة المشفى بعد اجراء عملية تنظيف جرّاء الإجهاض، وكانت تشعر بالإعياء الشديد ولم يهتم حازم لحالتها وهي لم تقو على السير بجانبه بمفردها، ثم سألها ببرود: معاكي فلوس التاكسي بقى ولا هنروّح إزاي دلوقتي؟