عاد كريم من عمله، دخل إلى البيت وركض نحو منة ليعانقها ويقبُلها قائلاً بحنين: وحشتيني أوي يا حبيبتي، بادرته منة وهو تُعدّل من هيئتها: وإنت كمان يا حبيبي، قولي إيه رأيك بقى في الدريس؟ ثم التفت حول نفسها برشاقة فأسرع كريم: الفستان جميل بس طبعاً الأجمل اللي لبساه، فسألته: طيب فين بقى مفاتيح العربية؟ أجابها: برة بس ليه؟ عبست منة ثم أكملت مستفهمة: إيه ده هو أنا ما قولتلكش؟ هزّ رأسه بالنفي مردداً:ما قولتليش إيه؟ أصل أنا خارجة مع صحباتي البنات، وهاروح بالعربية بقى يا بيبي، التقطت المفاتيح وهمّت بالخروج فلحقها كريم: طيب هتروحي فين وهتتأخري ولا إيه؟ فتحت الباب وهي ترد: هابقى أكلمك يا روحي، سلام ثم أغلقت الباب خلفها، تاركة كريم الذي ظل واقفاً ينظر للباب حتى رنّ هاتفه رفع الهاتف ليرى المتصل ثم قام بالرد: أيوة يا ماما عاملة إيه؟ أنا جايلك دلوقتي عشان وحشتيني ثم أغلق الهاتف وخرج مُسرعاً.
شهقت والدة لبنى بعد أن أخبرتها الأخيرة بطلبها وقالت باستنكار: يعني عايزة تدّي الحاجات اللي دافعين فيها دم قلبنا لحنان أخت حازم؟ ليه إن شاء الله! هي أحسن منك في إيه ولا ... قاطعتها لبنى برجاء: يا ماما مفيش حد أحسن من حد، إنتي عارفة ان حنانا هتتجوز واحد مغترب وشهر بالكتير وهتسافر معاه وهو مستعجل ومش هيستنى، فعشان كدة بقىل نحل الأزمة دلوقتي وكل حاجة هترجع.. وقفت أمها وقاطعتها بحزم وهي ترفع السُبابة بصيغة تهديد: مفيش قشاية من حاجتك هتروح لحد يا لبنى، ولو فتحتي الموضوع ده تاني أنا هافركش الجوازة كلها، تجمدت دموع لبنى بعينيها قائلة: يا ماما.. تركتها امها واتجهت لغرفتها قائلة: ماعنديش كلام تاني أقوله. دخلت لبنى بعدها لغرفته وامتلأ قلبها بخيبة الأمل، شعرت انها بين مطرقة حازم الذي أصرّ على الخصام حتى ترضخ لطلباته، وسندان أمها التي تعرف جيداً إنها لم ولن تتراجع عن قرارها، ظلت تبكي بمرارة وآسى على فراشها تدعو الله أن يفرج همها، فهو وحده مُفرج الهموم.
تعالت ضحكات منة مع صديقاتها بعد ان قامت بقصّ كل مغامراتها ورحلاتها بشهر العسل وكم يحبها كريم ثم أكملت قائلة: ده حتى كتبلي العربية بإسمي، اتسعت عينا صديقتها ولاء قائلة بذهول: بجد؟ وأردفت مازحة: طب هو كريم مالوش اخوات عايزة تتجوز؟ ضحكت منة قبل أن تجيبها: عنده أخوه حليم بس متجوز وعايش في السعودية، لتبادر احداهن وهي تغمز لولاء: ثري عربي يعني،وماله يا ستي الشرع محلل أربعة واستمرن في الضحك حتى جاء النادل ليضع الطعام على الطاولة، فقامت منة بتصويره قبل أن يبدأن بالأكل قائلة: مش أنا اللي عازماكوا؟ ماحدش يمد إيده غير لما أصوّر كام صورة الأول واحطها ع الانستجرام، فاستجبن لها وظلت تصور بوضعيات مختلفة.
رفع كريم الطعام من على المائدة وهو يردد: تسلم إيدك يا أمي، بقالي كتير ما كلتش أكل بيتي حلو.. فعبست أمه قبل أن تسأله: ليه هي مراتك مش بتطبخ ولا إيه؟ تلعثم ثم رد بحكمة: بتطبخ طبعاً، بس يعني هو فيه زي أكلك ولا نَفَسك يا ست الكُل؟ ثم سألها: ها أعملك شاي معايا؟ نظرت لأعلى وتنهدت: لأ شكراً، فجلس بجانبها وقبّل يديها ثم قال: انتي لسه زعلانة مني؟ حاولت أمه ان تبعد بنظرها عنه ولم ترد، ليردف قائلاً: أنا عارف إني صرفت كتير عشان الجواز، بس خلاص أنا اتفقت مع حليم إني هابيع العربية وهتسافري تحجي السنة دي إن شاء الله، وأنا هاتصرف بعد كدة.
** استقلت منة السيارة وطلبت من صديقاتها الركوب معها لتوصيلهن، ثم قامت بتشغيل الأغاني وانطلقت.
تأخر الوقت ولم تعد منة التي لم ترد على هاتفها ولم يعلم كريم إلى أين ذهبت، اشتعل قلبه بنيران القلق فظل يبحث عن صديقاتها عبر حسابها على الفيسبوك ويقوم بمحادثهن ليسألهن عنها، وكان قد فتح صفحة لبنى ثم قام بإرسال رسالة محتواها: أهلاً لبنى عاملة إيه؟
سمعت لبنى صوت إشعار لرسالة جديدة، التقطت الهاتف بلهفة ظناً منها إنه حازم قد يكون رقّ قلبه وقرر أخيراً ان يُنهي مقاطعتها، ولكنها عبست وشعرت بالاستغراب عندما نظرت للشاشة.
قبل أن تُكمل لبنى ردها، على صوت رنين هاتف كريم، ردّ مسرعاً مردداً: منة إنتي فين كل دة؟ قلقتيني، ليقاطعه المتصل: حضرتك صاحبة التليفون عملت حادثة بالعربية وموجودة عندنا في المستشفى، ليرتعد جسد كريم بعد أن سقط الهاتف من يده غير مصدق ما سمعه للتو.