كتب✍️عمرو عادل عبد الكريم
(باحث في العلاقات الدولية)
تُعتبر النظرية الواقعية من أشهر النظريات المفسرة للعلاقات الدولية وتؤمن هذه المدرسة بأن كل دولة في العالم تسعى بشكل جدّي لفرض إرادتها وإملاء شروطها في السياسة الدولية وذلك من خلال لجوءها لاستخدام قوتها البحرية أو النووية أو حتى مقدراتها السياسية والاقتصادية إلى جانب قوة الدولة جغرافياً إضافة إلى مواردها الطبيعية والمقدرة الصناعية ومستوى الاستعداد العسكري والسكان والشخصية القومية والروح المعنوية والكفاءة الدبلوماسية ونظام الحكم.
ووفقاً للنظرية الواقعية الكلاسيكية يُحقق الاستقرار الدولي من خلال التوازن في القوة الحادث بين الدول لأنه سيصبح بمثابة الردع لمنع نشوب عمليات هجومية من الأطراف الدولية على بعضهما البعض.
فعلى مر التاريخ نجد النظام الدولي في حالة تغير مستمر ما بين صعود دول كقوى عظمى وانهيار دول أخرى ولقد ساعدت الدول الصاعدة لاحتلال هذه المكانه توافر العديد من المقومات منها السياسي والاقتصادي والموقع الجغرافي للدولة والقوة البشرية والموارد الطبيعية إلى جانب مقاوم أساسي لا غنى عنه وهو القوة العسكرية للدول الطامحة لاحتلال مكانة كبرى في النظام العالمي.
وبالنظر إلى النظام العالمي في الوقت الحالي نجد أنه كان لفترة قريبة نظام يتسم بالهيمنة الأحادية لصالح الولايات المتحدة الأمريكية حيث أنها سيطرت على النظام الدولي بأكلمه وذلك بعد انهيار الأتحاد السوفيتي في بداية التسعينات من القرن الماضي.
وفي الوقت الحالي نجد عدداً من الدول تُزاحم الولايات المتحدة الأمريكية في الهيمنة العالمية وتسعى لتعديل النظام العالمي لصالحها وتعمل على تحوله من نظام أحادي القطبة إلى نظام متعدد الأقطاب ومن أهم هذه الدول نجد الصين في مقدمتها جنباً إلى جنب مع الدولة الروسية.
ولكي تُضاف الدولة لمصاف الدول العظمى لابد من احتلالها لمكانة اقتصادية وسياسية وعسكرية كبرى فالدولة الصينية في الوقت الحالي تمتلك قوة اقتصادية هائلة مكنتها من احتلال المكانة الثانية عالميا ًبعد الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب الدور السياسي النشط الذي تقوم به في عدد من القضايا والتعاون مع كثير من الدول والتحالفات التي تعقدها مع الدول ذات المكانة والثقل الدولي والاقليمي إضافة إلى الدول أصحاب الموارد الطبيعية الوفيرة وفيما يتعلق بالقوة العسكرية فنحن في صدد عرضه هنا بشئ من التفصيل.
تُعتبر الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة القوة العسكرية الأولى عالمياً حيث تخصص مليارات الدولارات لعملية الإنفاق العسكري ومن أجل تحديث الجيوش وشراء الأسلحة الحديثة بشكل مستمر وهو الأمر الذي يمكنها من الاستمرار في احتلال جيشها المكانة الأولى عالمياً.
ففي بداية العام الحالي خصصت الولايات المتحدة الأمريكية 858 مليار دولار من أجل الإنفاق العسكري وتعتبر هذه الميزانية هي الأكبر من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية والغرض منها زيادة القوة العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية في ظل التهديدات الناجمة من الجانب الصيني والروسي ومحاولة منها في ردع الطرفين حتى تحافظ على مكانتها العالمية.
وتحتل الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة الأولى في عملية تصدير الأسلحة عالمياً نظراً للثقة الكبيرة التي يكتسبها السلاح الأمريكي من قِبل المستوردين من كافة أنحاء العالم.
أما فيما يخص الشأن الصيني فنرى أن الصين قد رفعت ميزانتيها العسكرية بما يقارب 7.1% حيث أنها خصصت 1.45 تريليون يوان بما يعادل 230 مليار دولار من أجل الانفاق العسكري وفقاً لرويترز وهذا الأمر قد وضعها في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية من حيث الانفاق العسكري حيث أنها صاحبة أكبر ميزانية مخصصة للانفاق العسكري وتُقّدر بما يقرب من 810 مليار دولار وذلك وفقاً لتقارير عام 2022 عن رويترز.
وفيما يخص العام الحالي نجد أن الصين أيضاً قررت زيادة ميزانية الدفاع والانفاق العسكري حيث قدرت الزيادة بنسبة 7.2% بنحو يُقدّر1.55 مليار يوان أي ما يقرب من 225 مليار دولار وتأتي الميزانية الأمريكية بمقدار 858 مليار دولار وهي الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية وفقاً لرويترز.
وتعتبر الصين ثاني أكبر دول العالم من حيث تخصيصها الأموال من أجل الانفاق العسكري بعد الولايات المتحدة الأمريكية ويأتي هذا الأمر نتيجة لشعور الصين بأهمية تحديث الجيش الصيني "جيش التحرير الشعبي" وجعله يمتلك أحدث الأسلحة وأكثرها تكنولوجيا نظراً لأن هذا الأمر يُعد ضروري وفقاً للأهداف التي تطمح الصين لتحقيقها ألا وهي تغيير النظام العالمي والسيطرة على تايوان وبحر الصين الجنوبي.
فمن أجل أن تصبح الدولة قوة عظمى لابد لها من قوة عسكرية كبيرة تمكنها من الحفاظ على مكانتها وتقوم بعملية ردع لكافة الدول كما أنها تساعد على حماية مصالحها ومناطق نفوذها.
فالجيش الصيني في الفترة الحالية يشهد تحول جذري في عملية التحديث حيث أنه يعتبر أكثر الجيوش نمواً في برامج التسلح والتحديث كما أنه يستحدث وحدات عسكرية جديدة كقوة الدعم الاستراتيجي المتمثلة في الذكاء الاصطناعي.
ويعتبر الجيش الصيني أكبر الجيوش في العالم من حيث العدد كما أنه يحتل الجيش الصيني المرتبة الثالثة من حيث الرؤوس النووية بعد الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وتمتلك الصين عدد ثلاث حاملات للطائرات كما أنها تمتلك مقاتلات جوية متطورة وحديثة إضافة إلى امتلاكها قوة بحرية كبيرة جداً رغم اعتمادها بشكل كبير على قطع بحرية صغيرة وتعتبر الصين صاحبة أكبر قوة بحرية في العالم رغم اعتمادها على بشكل كبير على قوارب أو سفن حربية صغيرة وذلك عكس الولايات المتحدة الأمريكية التي تمتلك عدداً من القطع البحرية الحربية أقل من الصين ولكنها أكثر كفاءه وجاهزية وقتالية.
وتحتل الدولة الصينية المرتبة الثانية في عملية انتاج الاسلحة في العالم حيث أنها تأتي بعد الولايات المتحدة الأمريكية واستطاعت أن تتفوق على الانتاج الروسي للأسلحة وأن تحتل مكانته كما أن المبيعات الصينية من الأسلحة هي الأكثر نمواً في العالم ويذهب جزء كبير من الانتاج العسكري الصيني لوحدات الجيش المختلفة.
ونظراً لاحتلال الشركات الصينية المنتجة للأسلحة مراكز متقدمة عالمياً لم تعد الصين في حاجه كبيرة لاستيراد الأسلحة من الخارج وبالأخص من روسيا وأوكرانيا وأصبحت تكاد تكون بشكل كلي تعتمد على تصنيعها المحلي الذي يذهب جزء كبير منه من أجله تلبية احتياجات الجيش الصيني.
ونجد أن الجيش الصيني يعمل على تسويق أسلحته بشكل كبير حيث أنه في الفترة بين عامي 2018 وعام 2021 تمكنت الصين من تصدير أسلحتها لما يقرب من 38 دولة وتتواجد مبيعات الدولة الصينية من الأسلحة بشكل كبير في الدول الأفريقية وبعض الدول الأسيوية ونجد أن الدولة الصينية تقوم ببيع السلاح دون شروط سياسية وهو الأمر الذي تقوم الصين بفعله من أجل حث المزيد من الدول على شراء الأسلحة الصينية وجعله يتميز بميزة نسبية مقابل الأسلحة الأخرى.
وتقوم الشركات الصينية بإنتاج كل من الطائرات والطائرات بدون طيار، والسفن، والصواريخ، والمركبات المدرعة، ومنظومات الدفاع الجوي، والمدفعية، والمستشعرات، وأسلحة آليه.
وتقوم الصين في الوقت الحالي بتطوير رادار إلى جانب عمليات التطوير في كافة الأسلحة حيث أعلنت أنها بصدد تطوير رادار سيعمل على تغيير ميزان القوى في المحيطات حيث أنه سيكون قادر على رصد الصواريخ وبالأخص الباليستية من مسافة تقدر بآلاف الكيلومترات حيث أنه سيشمل عشرات الآلاف من أجهزة الإرسال والاستقبال وسيكون حجمه أكبر بكثير من الرادارات الأخرى وهو الأمر الذي سيعطيها ميزة في حالة حدوث هجوم عليها في منطقة المحيط الهادي إذا رغبت في القيام بعملية عسكرية للدخول في تايوان وضمها للإقليم الصيني.
فالدولة الصينية تدرك بشكل كلي أهمية القوة العسكرية في تحقيق الهدف الأسمى بالنسبة لها وهو تغيير النظام الدولي وفي تغيير ميزان القوى العالمي بينها وبين المنافس الأول وهو الولايات المتحدة الأمريكية وفي ذات الوقت تشعر بالعديد من التهديدات من الجانب الأمريكي وتواجده في منطقة بحر الصيني الجنوبي والمحيط الهادي نتيجة لدعمه تايوان التي تعتبرها الصين جزء من أراضيها وتعتبر تايوان نفسها دوله ديمقراطية صاحبه سيادة على اقليمها هذا إلى جانب الدعم الأمريكي لليابان وأستراليا والهند والعمل على تحقيق تحالف فيما بينهما خاص بإقليم شرق آسيا بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية من أجل مواجهة النفوذ الصيني المتزايد بشكل كبير في منطقة المحيط الهادي وبحر الصيني الجنوبي.
كما أن الدولة الصينية ترغب بشكل كبير في ضم تايوان وهو الأمر الذي ترفضه الولايات المتحدة الأمريكية حيث أنها تعهدت بحماية تايوان من الخطر الصيني وبالتالي في حالة رغبه الصين القيام بعملية الضم فلابد لها أن تكون على درجة عالية من القوة العسكرية حتى تتمكن من ردع الطرف الأمريكي لمنعه من التدخل في هذه العملية أو حتى تصبح قادرة على مواجهة الطرف الأمريكي في حالة إذا تدخل في هذه العملية التي ترغب القيادة الصينية في القيام بها بشكل مؤكد ويتضح ذلك من خلال تصريحات الرئيس الصيني شي جينبينغ.
فالولايات المتحدة الأمريكية تُمد تايوان بكثير من الأسلحة الأمريكية الحديثة ويتم فيما بينهم عقد صفقات شراء سلاح بمليارات الدولار وتشمل هذه الصفقات كافة الأسلحة من طائرات وصواريخ ورادارات وسفن ومركبات...إلخ وعلى الرغم من ذلك هناك تفوق كبير جداً لصالح الجيش الصيني فيما يتعلق بالقوة العسكرية بين الصين وتايوان ولكن تتمثل الأزمة في دعم الولايات المتحدة الأمريكية والغرب وعدد من دول الإقليم لتايوان وهو ما حدث فيما يتعلق بالأزمة الروسية الأوكرانية فالتفوق العسكري كان لصالح الدولة الروسية ولكن على الرغم من ذلك ما زال الحرب قائمة حتى الوقت الحالي نظراً للإمدادات الهائلة التي يقدمها الغرب وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية للدولة الأوكرانية.
فالصين تضع أمام نصب عينيها ما حدث بين روسيا وأوكرانيا من فرض عقوبات غربية غير مسبوقة على الروس وبالأخص تجميد مليارات الدولارات في الخارج إضافة إلى استمرار الأزمة لفترة لم تكن متوقعة وعدم معرفة وقت انتهائها فالدولة الصينية تمتلك احتياطيات دولارية في الخارج تقدر بمئات المليارات من الدولارات وبالتالي ليس هيناً على الاقتصاد الصيني فقد هذه الأموال لفترة غير معلومة كما أنه في حالة استمرار النزاع وإطالة أمده في حالة دخول الصين تايوان وزيادة الدعم الخارجي وفرض العقوبات من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية سيكون له تأثير سلبي كبير على الاقتصاد الصيني وهو الأمر الذي سيجعله يشهد تراجعاً كبيراً في النمو والتقدم وبالتالي فالدولة الصينية أمام خيارات صعبة ما بين عملية ضم تايوان التي تُعد أحد الأهداف الرئيسية للرئيس شي جينبينغ وما ينتج عن هذا القرار من تأثيرات اقتصادية غير مسبوقة على الاقتصاد الصيني بأكملة نظراً لما سيقوم به الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من فرض عقوبات من أجل كسر الاقتصاد الصيني والحد من قوتها الاقتصادية وجعلها تتراجع عن قرارها التي قامت به وبالتالي على الرئيس الصيني دراسة القرارات بشكل عميق حتى لا يدفع بالتطور والتقدم الحادث في الصين في كافة الجوانب نحو الهاوية.