كتب ✍️عمرو عادل عبدالكريم علي
باحث في العلاقات الدولية
بعد أن اجتمعت الدول السبع الكبرى في اليابان من أجل العمل على مواجهة كل من الصين وروسيا والحد من نفوذ الأولى عالمياً والسعي للتوصل لحل للمسألة المتعلقة بالغزو الروسي لأوكرانيا نجد على الجانب الأخر الصين وروسيا يعملان على تعميق التعاون الإستراتيجي فيما بينهما من خلال ما يسمى بمنتدى العمالة الروسي الصيني.
حيث عُقد في شنغهاي هذا المنتدى بحضور رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين وعدد من رؤساء الشركات البارزة في الدولتين وتلى ذلك توقيع سلسلة اتفاقيات بين الجانب الروسي والصيني من أجل تعزيز التعاون في عدّة مجالات وتعمل كل من الصين وروسيا على زيادة التعاون الاقتصادي بينهما من أجل التمكن من زيادة عملية التنمية في كلا الدولتين إلى جانب الحد تأثير العقوبات الغربية الكثيرة على الدولة الروسية.
ويرجع التعاون والتقارب الصيني الروسي إلى سعيهما لإحداث تغيير في النظام العالمي والتحول من الشكل الأحادي إلى المتعدد الأقطاب يكون فيه دور كبير لكل من الدولتين الطامحتين لتوفير نفوذ كبير لهما في النظام الدولي كما أنها يسعيان للعمل على التواجد في المناطق الهامة والقضايا المحورية في الساحة العالمية ويقفان عائق أمام الدور الأمريكي في هذه المناطق والقضايا وهذا في إطار سعيهما للحد من التأثير والنفوذ الأمريكي عالمياً.
وتسعى الدولة الروسية والصينية لتعميق التعاون الاقتصادي والتجاري فيما بينهما وخصوصاً فيما يتعلق بمجال الطاقة والصناعة والبنية التحتية من أجل النقل والزراعة.
ففي نهاية العام الماضي بلغ حجم التجارة بين الطرفين الروسي والصيني 172 مليار دولار بنسبة نمو بلغت 32% عن عام 2021، ففي العام الماضي قامت الصين بتصدير للدولة الروسية بضائع تبلغ قيمتها ما يقرب من 68 مليار دولار بزيادة قُدّرت بنحو 13.4% عن عام 2021. كما زادت الشحنات من روسيا للصين بنسبة 47.5% لتصل لما يقرب من 105 مليار دولار.
وتعتبر الدولة الروسية صاحبة نمو كبير فيما يتعلق بحجم التبادل التجاري مع الدولة الصينية وتخطط كل من الدولتين للوصول لما يقرب من 200 مليار دولار في حجم التبادل التجاري بينهما هذا العام وهو الأمر الوارد تحقيقه بعد أن نشرت الجمارك الصينية بيانات توضح أن الصادرات الصينية لروسيا ارتفعت في شهر ابريل من هذا العام بمقدار 153.1% على أساس سنوي بعد أن تضاعفت في مارس الماضي.
وفيما يتعلق بمجال النفط والغاز الطبيعي وتصديره من روسيا للصين تعتبر الصين أكبر مشتري للنفط والغاز الطبيعي على المستوى العالمي من أجل توفير المورد الخام للمجال الصناعي الصيني وتعتبر روسيا أكبر مورد للنفط الخام والغاز الطبيعي للجانب الصيني بعد أن تخطت المملكة العربية السعودية في حجم صادرتها للنفط للدولة الصينية.
ويعمل الطرفان على تعزيز حجم التجارة بينهم في مجال النفط والغاز الطبيعي من خلال العمل على بناء خط أنابيب يسمى "باور أوف سيبيريا2" من أجل نقل الغاز الروسي إلى الدولة الصينية عبر منغوليا وهناك تفائل حول زيادة إمدادات الطاقة الروسية للصين بنحو يصل إلى 40% في العام الجاري.
ومن المتوقع أن يمد هذا الخط الدولة الصينية بمقدار 50 مليار متر مكعب من الغاز الروسي بشكل سنوي ومن المقرر البدء في تشييد هذا الخط في العام القادم 2024 أما الخط الروسي الصيني "باور أوف سيبيريا1" فهو ينقل الغاز الروسي للدولة الصينية منذ أواخر عام 2019 للصين ويوفر 20 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً للدولة الصينية.
وتعمل الدولة الروسية على بيع النفط بكميات وفيرة للجانب الصيني وذلك من أجل عده أسباب أولاً توفير كميات كبيرة من الأموال من أجل تمويل العملية العسكرية التي تقوم بها في أوكرانيا فقطاع النفط يمثل جزء كبير من الموازنة الاقتصادية للدولة الروسية وهو مورد رئيسي من موارد الاقتصاد الروسي والثاني من أجل الحد من العقوبات الأمريكية والأوروبية المفروضة عليها وعلى كثير من قطاعاتها لذلك تعتبر الصين الشريك الإستراتيجي للدولة الروسية القادر على شراء كميات ضخمة من النفط والغاز الروسي.
ووفقاً للإحصائيات الواردة من الإدارة العامة للجمارك في بكين فإن واردات الصين من النفط الروسي الخام ارتفعت بنسبة 8% في عام 2022. كما أن توريد الغاز الطبيعي المسال من الطرف الروسي للصيني ارتفع في أول 10 أشهر من عام 2022 بنسبة 32% وبلغ 98.4 مليون طن وأوضحت شركة غازبروم الروسية أن صادرات الغاز الروسي للدولة الصينية خلال عام 2022 زادت بمعدل 15.5 مليار متر مكعب.
وتوحي هذه النسب بمدى أهمية النفط والغاز الروسي للدولة الصينية ومدى تزايد الرغبة الصينية في توفير المنتج الأساسي لعملية الصناعة من الدولة الروسية كما أن هذا الأمر يوضح عمق التعاون بين الطرفين ومدى أهمية كل من الطرفين في الاعتماد على بعضهما البعض.
وتتعاون الدولتان في مجال الزراعة حيث أنه من خلال حجم التجارة المتوقع هذا العام والبالغ 200 مليار دولار بين الدولتين يعني زيادة كمية المنتجات الزراعية الروسية المطلوبة من الجانب الصيني وبالتالي حدوث نشاط تنموي في المجال الزراعي الروسي.
وفيما يتعلق بالتعاون المالي بين الطرف الروسي والصيني فهما يتعاملان فيما بينهما بالروبل واليوان في عملية التجارة وبلغت حصة الروبل واليوان في التجارة ما يقرب من 65% والجزء المتبقي من التجارة يتم تداوله بالدولار ونتيجة لهذا تزايدت حصة اليوان الصيني في العملات المستخدمة في التجارة الخارجية الروسية من نسبة 0.5% إلى 16% ومن هنا تم انخفاض التعامل بالدولار واليورو فيما يتعلق بالصادرات الروسية كما أن البنك المركزي الروسي يعمل على تجميع اليوان داخل خزائنه من أجل استخدامه في عملية التجارة مع الطرف الصيني.
ونجد في خطوة لجوء الطرف الروسي والصيني التخلي عن العملة العالمية الدولار في عملية التبادل التجاري فيما بينهما خطوة غير مسبوقة وتتميز بالجرئة والتحدي للهيمنة الأمريكية ولعملتها فهذا الأمر من شأنه تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي كما أنه يساهم بشكل كبير في تقويه وتحسين اليوان الصيني وتدويله حتى يصبح عمله دولية قادرة على كسر همينه الدولار الأمريكي بمرور الوقت كما أن هذه الخطوة من شأنها تعزيز التعاون بين الطرفين بشكل غير مسبوق وهو ما نشهده في الوقت الحالي وسوف يستمر التحسن في السنوات القادمة فالطرف الروسي والصيني في الوقت الحالي في حالة تحالف استراتيجي تكمن أهدافه الأساسية في أولاً كسر الهيمنه الأمريكية العالمية التي تعمل على فرض العقوبات على كل من الدولتين وتسعى بشكل كبير للحد من نفوذهما وتأثيرها عالمياً وإقليمياً والسعي بشكل كبير لخفض وتيرة النمو والتقدم الروسي والصيني ففي تقدمها تشعر الولايات المتحدة الأمريكية بأنها سيعملان على مزاحمتها في هيمنتها على النظام الدولي وثانياً تشييد نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب يصبح لهما فيه دور كبير وتأثير عالمي.