القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

نسخه تانيه_الجزء الخامس عشر


في الصالة بين الغرف
هرولت لبنى للخارج وهي تبكي ليخرج من الغرفة المقابلة كريم بعد أن كسر أحد القوارير الزجاجية وأمسك بقطعة حادة بيده، وبمجرد ارتطام جسد لبنى به، في لحظة أمسك برقبتها فجأة ولفّ ذراعه حولها وسحبها للخلف موجهاً قطعة الزجاج نحو رقبتها وقد جحظت عيناه وعلى صراخه مهدداً: لو ما خرجتش من هنا هاقتلها،، وكررها : هاقتلها
وسط ذهول من طاقم الأطباء الذين فقدوا السيطرة على الموقف!

ركلت لبنى كريم بمؤخرة قدمها بقوة، فآلمتهُ الضربة التي أصابت ساقه، فانحنى قليلاً، ليركض من خلفه أحد أفراد الأمن وأمسك بذراعه بينما تقدم فرد آخر لينتشل قطعة الزجاج من يده، حاول كريم أن يتملص منهم لكنه لم يستطع بعد أن قاموا بصعقه كهربائياً فسقط فاقداً للوعي للحظات، بينما عادت لبنى لغرفتها بعد أن أعطاها أحد الأطباء حقنة مهدئة.

بعد مرور عدة أيام
جلست منة أمام حليم في أحد المطاعم وهي تسأله: ممكن أعرف كريم فين؟ نظر لها حليم باشمئزاز ثم أجابها بعد فترة: بيتهيألي ما يهمكيش هو فين دلوقتي، جزت منة على أسنانها وقالت له: يعني إيه بقى؟ رشف حليم من فنجان القهوة ثم قال بعدها: بُصي يا منة، إنتي عارفة وأنا عارف إنك مش بتحبي كريم، وإنك إتجوزتيه عشان تستغليه وبس، شعرت منة بالتوتُر حاولت مقاطعته، فأشار بيده قائلاً: أنا لسه ما خلصتش كلامي، واستمر في الحديث: أنا قولتلك مش هتشوفي كريم تاني، ولو شوفتيه هيبقى علشان حاجة واحدة بس، ابتلعت منة ريقها بصعوبة وانتظرت تكملة كلامه، ليُكمل حليم: عشان يطلقك، فضحكت منة ضحكات متقطعة ثم قالت بثبات: كريم عُمره ما هيطلقني، فابتسم حليم: ماهو بعد ما يتعالج أكيد مش هيفضل معاكي، مش بس كدة وهينتقم منك كمان وساعتها ماحدش عارف ممكن يعمل فيكي إيه، فأنا بقول اختصري الطريق واخلعيه انتي وبيتهيألي كفاية عليكي أوي كل اللي خدتيه لحد دلوقتي بالأضافة للعربية طبعاً، العربية اللي دخلتيه السجن بسببها وسبتيه مرمي لحد ما جين أنا و دفعت باقي فلوسها ثم أنهى شُرب قهوته ووضع الحساب على المنضده بعدها همّ واقفاً وهو يقول: فكّري في اللي قولتهولك كويس، سلام ثم تركها وغادر المكان.
في غرفة كريم
ظل يصرخ ويصيح وقد انتفض جسده واحمّرت عيناه مردداً: لازم أخرج من هنا، لازم أشوف منة، يلف ويدور داخل العرفة ويضرب بيده على الجدار بقوة.
على باب الغرفة بالخارج سأل وائل رئيسه بقلق: هو مش هيتحسن يا دكتور؟ أغلق الطبيب الملف وقال له: مين قال إنه مش بيتحسن؟ اللي بيحصله دي أعراض إنسحاب متوقعة، إنت نسيت ولا ايه يا دكتور؟ ولا عشان صاحبك؟ ردّ وائل: لا أبداً بس كنت متخيل إنه هيبقى أهدى من كدة، يعني الحالة التانية الأستاذة لبنى بتتحسن أسرع منه، فابتسم الطبيب المخضرم وقال له : طب يلا نشوفها.

دخلت والدة لبنى لبيت ابنتها وقالت معاتبة: ماكنش العشم يا حازم، بقى كدة تسيب مراتك... فقاطعها حازم الذي بدا ثملاُ : بلا مراتي بلا بتاع بقى، أنا أصلاً هاطلقها، أنا مش ناقص جِنان كل شوية ثم نظرت له أمها بعد أن ألقت بنظرها على المكان: وكمان بِعت عفش البيت؟ ثم أمسكت زجاجة وقامت بشّمها وشهقت في ذهول: وده إيه ده ؟ خمرة ! حسبي الله ونعم الوكيل، ثم اتجهت لغرفة النوم قائلة: أنا هاخد حاجة بنتي، فأوقفها بالقوة قائلاً: ماحدش هياخد قشّاية من هنا، استشاطت الام غضباً فقامت بدفعه بقوة فارتطم جسده بحافة الأريكة وقد أسقط بعض الزجاجات وهو يتفادى الوقوع، دخلت الغرفة وقامت بفتح خزانة الملابس قائلة: مش كفاية اللي عملته في بنتي كمان مش عايز... وفجأة قام حازم بتهشيم المزهرية فوق رأسها فسقطت على الأرض بعد أن سال الدم من رأسها ليُغرق وجهها، تجمّد حازم في مكانه للحظات، حتى سمع صوت أحد الجيران يدخل من الباب قائلاً: هو إيه الصوت ده؟ ففر حازم هارباً للخارج بعد أن رآه الجيران، دخل أحدهم بعد أن سمع صوت همهمات بالداخل.
(بعد مرور شهر)
خرج حازم من غرفته وترّجل إلى حديقة المركز، نظر للسماء لتخترق أشعة الشمس عينيه وتُظهر اللون العسلي الذي يزداد حلاوة مع هذه الأشعة، جلس على أحد المقاعد واستنشق الهواء بشهيق عميق، وهو يتذكر حديث الطبيب عن حالته، في اللحظة التي خرجت لبنى للحديقة، وكانت قد طلبت من أحد العمال أن يتركها تقوم بسقاية الأزهار، فكانت تسقي الأزهار فنظر لها كريم وأطال النظر وقرر أن يتجه إليها وعندما اقترب همس في أذنها: آنا آسف، اعتدلت في وقفتها ووضعت ما بيدها جانباً ثم نظرت له وسألته: على إيه؟ استغرب كريم السؤال وأجابها: على اللي عملته معاكي أول ما دخلت هنا، إنتي مش فاكرة ولا إيه؟ ابتسمت لبنى وقالت: لأ فاكرة طبعا، بس على إيه الأسف، إنت ماكنتش في وعيك، فضحك كريم ثم قال بحسرة: انا ماكنتش مصدق لما شوفت الفيديو المتسجل وقت ما عملت كدة، فسألته لبنى: وإنت شوفته ليه؟ تنهد كريم وأكمل: أنا اللي طلبت أشوفه، ماكنتش مصدق كل الكلام اللي بيقولوه الدكاترة وإني ممكن آذي نفسي وآذي غيري والكلام ده، لكن بعد ما شوفته حقيقي اتصدمت.
ثم طلب منها أن يترجلا معاّ في الحديقة، استجابت لبنى لطلبه وهي تُكمل: آه دكتور وائل كان قاللي إن حالتك فعلاً اتدهورت، ثم انتبهت وصححت مسرعة: بس المهم حالتك دلوقتي طبعاً، مش مهم اللي فات، نظر لها كريم ثم قال: بس أنا لسه لحد دلوقتي بتجيلي نوبات وأعرض انسحاب، آينعم هي قلت بس.. فقاطعته لبنى قائلة: أنا واثقة إنك هتقدر تعديها وهتخرج من هنا قُريب إن شاء الله، شعر كريم بالارتياح لمجرد حديثه مع لبنى، نظرت لبنى لساعتها ثم أردفت: المفروض دلوقتي ندخل عشان ده ميعاد الغدا، رفض كريم قائلاً: لأ أنا ماليش نِفس، فنظرت له لبنى وقالت مازحة: بس أنا كدة مش هاقبل أسفك، فقال لها كريم: طيب خلاص ندخل نتغدى وأمري لله، ثم مال عليها وأردف: ما تنسيش إنك خدتي حقك برضه وضربتيني حِتة ضربة في رِجلي، فضحكت لبنى وقالت له: إنت بتنسى ليه؟ إحنا مش قولنا ما كناش في وعينا؟

مرّ شهر تلو الأخر، وتحسنت حالة كريم الذي بدأ أن يهتم بغذائه، وعلاجه ويشارك لبنى مهامها اليومية في الحديقة، ويجلسان يومياً يتسامران.
بس مش ناوية تقوليلي هتعملي إيه مع حازم لما تخرجي من هنا؟ سألها كريم باهتمام.
صمتت لبنى قليلاً ثم ردّت: حازم مات، صُدم كريم من الخبر، لتُكمل لبنى: بعد ما باع عفش البيت عشان يصرف فلوسه على الشُرب أمي راحتله عشان تعاتبه وللأسف ضربها، وخرج زي المجنون في الشارع، عمل حادثة ومات، لم يترحم عليه كريم وسألها: طيب ومامتك عاملة إيه؟ أجابته لبنى: ماما الحمد لله بقت كويسة. هزّ كريم رأسه قائلاً: الحمد لله. ثم نظرت له منة وقالت: وإنت؟ فضحك كريم وقال: أنا ثم ضحك مجدداً فعبست لبنى مستفهمة: إيه اللي بيضحك؟ أكمل وهو ما زال يضحك: أصل أنا اتخلعت، ذُهلت لبنى قائلة: بجد؟ أردف كريم قائلاً: آه تخيلي، يعني أنا دلوقتي بقيت مخلوع ثم استمر في الضحك، صمتت لبنى بُرهة ثم رشفت من كوب الشاي وقالت: أنا لو كنت سمعت خبر وفاة حازم قبل شهرين من دلوقتي كان ممكن أموّت نفسي، بعدها نظرت لكريم وقالت: إنت كمان رد فعلك ده معناه حاجة واحدة.. توقف كريم عن الضحك ثم سألها: معناه إيه؟ ابتسمت لبنى وأجابته: معناه إننا خفينا، اتسعت عينا كريم وتسائل: تفتكري؟ وضعت كوب الشاي وقالت: دكتور وائل قاللي إني هاخرج بعد يومين، تغيّرت ملامح كريم فجأة وقال بجدية: إيه اللي انتي بقتوليه ده؟ عبست لبنى وقالت له: المفروض تباركلي يعني، تلعثم في الكلام ثم سألها: بس هما قالوا إن لازم نكمل كورس العلاج وبعدين هيكون فيه تحاليل و... قاطعته لبنى: أنا عملت كل ده، وبعدين بصراحة التكاليف هنا غالية أوي، عقبالك يا كريم ثم اتجهت للداخل قائلة وهي تتثائب: تصبح على خير. شعر كريم بانقباض في صدره بعد أن عاد لغرفته، ووجد نفسه يتذكر كل موقف ل لبنى معه، وعن فرحتها عندما زارها طلابها من المدرسة ومدى حبهم لها جميعاً، عن صدقها وبساطتها وجمالها، عن تشجيعها له حتى يتعافى ومساندتها له لتتحسن حالته المزاجية التي هي بالضرورة سبب لزيادة مناعة الجسم وسرعة الشفاء، ظل متوتراً طوال الليل، حتى تنفس الصباح، فهرول للحديقة وانتظرها حتى خرجت، نظرت له وقالت ضاحكة: إيه ده وبقينا نصحى بدري كمان، فقال كريم: أنا ما نمتش أصلاً، سألته لبنى: ليه ايه اللي حصل؟ احمّرت وجنتاه وهو يرد: أنا مش عارف الحقيقة، بس أنا مش مرتاح، نظرت لبنى لساعتها وقالت له: طيب نفطر وبعدين نتكلم.
لم يستطع كريم البوح عما بداخله، وظل يكرر جمل مثل: لم أشعر بالارتياح، وإنه متوتر ولم تفهم لبنى ما يود قوله بالضبط. 
استعدت لبنى للخروج من المركز، وانتابها نفس الشعورولكنها تجاهلته، وقف كريم لتوديعها ثم قال فجأة: لبنى أنا بحبك، أغمضت عينيها من كثرة الضحك ثم سألته: بتحبني إزاي يعني؟ تنهّد كريم وأكمل: بحبك يا لبنى.. هزّت لبنى رأسها وقالت: كريم إحنا في مستشفى بنتعالج، إنت عارف إحنا كنا بنتعالج من إيه؟ قاطعها كريم بحزم: عارف يا لبنى بس أنا واثق من شعوري، حاولت لبنى أن تُخفي سعادتها ثم قالت له بحكمة: هو تقدر تقول كده إنه تعود يا كريم، وده طبيعي لأن بقالنا فترة مع بعض لكن... قاطعها كريم: وتفتكري التعود أقوى ولا الحب؟ توترت لبنى ثم قالت له بحيرة: مش عارفة بس أنا لازم أمشي دلوقتي، فأمسكها من يدها بحنان قائلاً: استني، ما ردتيش عليا؟ استجمعت لبنى شجاعتها وقالت له بحزن: كريم إنت لو شوفت منة تاني هتغيّر رأيك، لو سمحت ما ينفعش ناخد أي قرار دلوقتي... أفلتت يده برفق وغادرت وهي تردد: أشوف وشك بخير وخلي بالك من نفسك.
ظل كريم في المركز، وهو متيقن من شعوره، انعدمت النوبات تماماً، كان يقوم بسقاية الأزهار ويشتم رائحتها ويتذكر كلمات لبنى، ثم يتناول فطوره حتي الشاي الذي لم يكن يشربه من قبل، بدأ بشربه لأنها كانت تشربه معه دائماً، ومرت الأيام وانتظر دخول وائل يُبشره بنتيجة التحاليل بفارغ الصبر، وقد نال المراد، بارك له وائل على شفائه ولكن نصحه باستمرار تناول الأدوية لمدة شهر وعمل متابعات أسبوعية بالعيادة، إمتلأ قلب كريم بالبهجة والحماس وخرج وهو يردد: أكيد أكيد يا وائل هاعمل كل اللي بتقوله ما تقلقش.
بعد اسبوع
رنّ جرس الباب، ففتحت لبنى لتتفاجأ بكريم يقف أمامها بكامل أناقته ومعه باقة الزهور الجميلة التي تعشقها لبنى، شهقت من الفرحة قائلة: كريم، إنت خرجت؟ وعرفت بيتي إزاي؟ و .. فقاطعها وهو يعطيها باقة الأزهار: هو احنا هنتكلم ع السلم كدة؟ أشارت بيدها قائلة: إتفضل، لتأتي أمها من خلفها متسائلة: مين يا لبنى؟ فأجابها كريم: أنا كريم يا أمي وجيت عشان أطلب إيد الاستاذة لبنى، لمعت عينا والدتها من الفرحة فهذا كريم الذي حكت عنه لبنى كثيراً، رحبّت به أمها قائلة: إتفضل يا حبيبي إتفضل، أنا هادخل اعملكوا حاجة تشربوها وضعت لبنى يدها على فمها ولم تستوعب ما سمعته للتو، جلس كريم ثم نظر لها وقال مازحاً: إنتي هتفضل واقفة عندك كدة يا عروسة؟ اتسعت عينا لبنى وجلست على الأريكة قائلة: إنت مجنون؟ إيه اللي انت قولته دلوقتي ده؟ فضحك وقال: لأ أنا كنت مجنون، ثم عدّل من رابطة العنق وهو يُكمل: بس أنا نويت أعقل بقى، قالت له بنى: كريم افتكر اللي قولناه، فقاطعها كريم بحزم: مش ناسي والله، وعشان تتطمني أنا قابلت منة. صُدمت لبنى وسألته بتوتر: إيه؟ قابلتها امتى وإزاي وفين؟ ابتسم كريم وقال على مهلٍ: بالراحة بس ولا بتغيري ولا إيه؟ احمّرت وجنتيها وظلت صامتة، فأكمل كريم: تخيلي دخّلت المركز قبل ما اخرج بيومين، وفِضلت تتكلم معايا على انها عندها اضطراب نفسي وهتتعالج ونرجع لبعض والكلام ده، فقالت لبنى بحزن: طيب وأيه المانع انكوا ترجعوا لبعض لو هي فعلا مريضة، رنّ هاتفه فقام بالرد قائلاً: أيوة يا حليم، ماما شافتها قبل كدة أصلاً وكانت معجبة بيها كمان ما تقلقش، بكرة إن شاء الله نتجمع كلنا في افتتاح الكافيه بتاعك، ثم أغلق الهاتف، نظر ل لبنى ثم قال لها: أنا اقولك بقى يا ستي ايه المانع، ثم قام بإخراج علبة صغيرة من القطيفة ذات اللون الأحمر وأعطاها لها قائلاً: لأني خلاص اتعالجت وكمان عرفت إجابة السؤال، امتزجت مشاعرعدة داخل لبنى وهي تسأله بقلق: سؤال إيه؟ غمز لها وهو يفتح العلبة ويُخرج الخاتم قائلاً: الحب أقوى ولا التعود؟ خرجت والدة لبنى من المطبخ ووضعت صينية الشاي ثم نظرت لكريم وهو ممسك بالخاتم فقالت له بفرحة: ده أحنا نجيب شربات بقى يا كريم يا ابني، فقام بتقبيل يد لبنى وقال: إنتوا مش هتجيبوا أي حاجة يا أمي، أنا اللي هاجيب ليكي ول لبنى نجوم السما.