القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

ثلاثية غرناطة...جرح التاريخ العربي


كتب : عبد الله محمد الحاج

الساعة 05:34 صباحا.. مقاعد الانتظار أمام صالة الوصول رقم 3 خالية إلا من خمسيني يغالب النعاس، أو شاب يحاول أن يقتل ملل الوقت بالسجائر ومقاطع اليوتيوب القصيرة التي لا تنتهي.
لوحات الإرشادات داخل القاعة الواسعة تتأرجح بهدوء تحت الأنوار.. والسكون يعم المكان. 
نسائم الصباح الباردة تلطف الجو قبل أن تطلع شمس القاهرة الصيفية الحارقة.

غفوت قليلا -أو هكذا خُيل إلي- على واحد من تلك المقاعد وأنا أقرأ الصفحات الأخيرة من هذه الوجبة الأدبية الدسمة 
حلمت، أوتخيلت عليًّا، آخر نسل من سلالة أبي جعفر، وهو جالس يراقب ذلك الميناء الذي كان من المفترض أن يغادر منه الأندلس؛ كان مشهدا يختصر الوجع العربي كله.

أعترف أن هذا الكتاب كان من أكثر الكتب التي ظلمتها في حياتي، خاصة إذا وضعنا في الحسبان أنه أدبي وطويل نسبيا؛ فكثرة الانقطاعات التي حصلت لي مع القراءة، والتي كانت تمتد إلى أسابيع، كانت سببا في عدم الإستمتاع بشكل كاف بهذا العمل العظيم.
وقد يكون ذلك مزعجا حقا عندما يتعلق الأمر بالمطالعة الأدبية، إذ أن الانقطاع يفسد التسلسل الذهني للأفكار والمشاعر المصاحبة لها، وتطور ذلك كله مع تقدم الصفحات.

كانت ثلاثية غرناطة، هذه الرواية التي أقل ما يقال عنها إنها عمل أدبي أصيل ومهم، شبيهة لأعجوبة ماركيز العالمية؛ مائة عام من العزلة؛ التطورات التي تحدث مع تعاقب الأجيال والترجيدا الإنسانية التي تتخلل التفاصيل مع كل حدث.. كل ذلك كان يشبه إلى حد كبير ما قرأناه في مائة عام من العزلة. طبعا مع فارق واقعية الأحداث التاريخية في هذه الرواية مقابل الفانتازيا والعجائبية في رواية ماركيز. ومع ذلك فإنني لم أشعر أبدا بمحاكاة أدبية. بل على العكس من ذلك؛ فلقد شعرت بأن الرواية تتميز بقدر كبير من الأصالة والتميز، وخصوصا على المستوى اللغوي؛ فالقارئ يخيل إليه أن الرواية كتبت في ذلك العصر وليس الآن، كتبت بلغة ذلك الزمان ومصطلحاته ودلالاته الخاصة، بلسان الأندلسي العربي. وهو صراحة مما استسغته كثيرا في الرواية؛ فالمعجم اللغوي الوصفي كان عتيقا ومناسبا تماما لثقافة تلك الحقبة ومرحلتها المعرفية. 

لقد عشت أياما جميلة مع نعيم في شبابه وأحسست معه بالشيخوخة والهرم عندما داهماه وهو لايزال شابا يحلم. لكنني حزنت أكثر ما حزنت مع علي وهو يجوب التلال والسهول بين القرى والمدن، بعد أن أصبح وحيدا لا حبيب له ولا قريب. كان يشبهني كثيرا وأشبهه، فلقد كان دائما مسكونا بالذكريات مثلي، ربما أنا مسكون بما هو أكبر وأوسع من حدود ذاكرتي؛ التاريخ. ذلك أن التاريخ في النهاية هو الذاكرة الجمعية للإنسانية، والأفراد ليسوا سوى مستقبلين يتأثرون بما جرى للبشرية من قبلهم.

 أعجبني كثيرا وصف نهايات الشخصيات؛ تلك النهايات المخيبة بعد طول أمل، والشك المقلق قبل اللحظات الأخيرة، ثم اللامبالاة الحيادية تماما عند إسلام الروح. 


تذكرت وأنا أقرأ "مائة عام من عزلة" العرب هذه، حال الفلسطينين في القدس المحتلة وفي الضفة الغربية ومخيمات اللجوء وفي الشتات.. الطريقة ذاتها التي يستخدمها الاحتلال اليوم في تصعيد العنف ضد العرب (الفلسطينيين) والتسويغ للجرائم بمبررات أقل ما يقال عنها إنها حقيرة.

وبعيدا عن ذلككله، لا أرى بأن أرض مصر تختلف اليوم كثيرا عما حكاه الحاج دييجو العطار لرجال الحي في دار عمر الشاطبي ذلك المساء؛ فلا تزال حقول الأرز والذرة، وبساتين التين والبرتقال وواحات النخيل كما كانت، تزين الأرض ويقتات منها الناس.
 والقاهرة العتيقة، تلك العجوز التي تأبى الشيخوخة، لا تزال كما هي عصية على الزمن؛ مسجد سيدنا الحسين وضريح السيدة زينب وقلاع صلاح الدين ومزارات الاولياء ومنارات مساجد المملوكيين والعثمانيين لاتزال كما هي، شامخة وفريدة بين العمارات المتشابهة. وحتى مظاهر البذخ والفقر لا تزال كما هي -طبعا- مع اختلاف التفاصيل والأسباب، مع تعقيد متطلبات الحداثة ومصائب الرأسمالية ومخلفات الشيوعية، ومع هيمنة الشركات العالمية وتغول المؤساست والفكر التعاقدي على الناس.

والحب.. الحب في الثلاثية كان استثنائيا؛ كان أبعد ما يكون من الخيال والطوباوية. بل إنه كان بسيطا جدا وإنسانيا، لا تحده حدود ولا تنظمه قوانين أو شروط، يسير حيث سارت مشاعر الإنسان المركبة والجامحة، عفوي وغير متكلف.. واقعي في أحداثه الغير متوقعة، ومناسب في حدته مع الشخصيات التي يتلبسها أو تتلبسه.

هكذا إذا هو التاريخ.. وما أجمل التاريخ عندما يُكتب بالادب، وما أوجع الأدب عندما يَحكي الحزن العربي.